IMLebanon

عودة العرب إلى لبنان العربي

 

السجال الكلامي العنيف الذي اندلع بين إيران والولايات المتحدة أثناء زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية هيل للبنان وتكريمه في حفل عشاء أقامه له ميشال معوض في منزله وحضره لفيف من شخصيات من اتجاهات سياسية عدة بما فيها ممثل لحركة أمل، هل ينبئ بـ«أيام سود» على لبنان؟.. فالصراع بات وجهاً لوجه: زيارة هيل نفسها، تحمل من أهمية كافية لإثارة غضب الملالي، فما بالك إذا كان في جعبة المندوب الأميركي مواقف ترتبط بعلاقة لبنان بحزب إيران، وبتأليف الحكومة، وصرح هيل: «خيارات التأليف تعود إلى اللبنانيين فقط»، واضعاً فيتو على إسناد وزارة الصحة إلى وزير من «حزب الله».. وها هو السفير الإيراني يردّ على هيل بعد زيارته الرئيس سعد الحريري، ومن منصة الوسط نفسها، متهماً أميركا بتوتير الأجواء في المنطقة (وكأن الأجواء هادئة وصافية) وبالتدخّل في الشؤون اللبنانية مبرراً وجود إيران في سوريا وتأثيرها على لبنان.. و«أميركا تريد تغيير سياسات البلدان خدمة لمصالحها، لتبرير الاحتلال الإسرائيلي»، متهماً إياها بدعم الحركات الإرهابية المتطرفة خصوصاً داعش..

 

وقد أصدرت السفارة الإيرانية بياناً تعلن أن لوجودها في سوريا طابعاً استشارياً (!)، وهي موجودة بطلب رسمي من الحكومة «الشرعية»!

 

أما دعمها لبنان «فلتحرير أرضه والحفاظ على سيادته (!) واستقلاله واستقراره وأمنه..»!

 

يلتقي الطرفان الأميركي والإيراني على تأمين «أجمل» الشروط لدولة لبنان، وحدوده، ورفاهية شعبه! حرب ضروس على أرض لبنان.. بما تخبئ من احتمالات سلبية على تأليف الحكومة بعد 9 أشهر من المراوحة بسبب العقبات التي يفتعلها حزب خامنئي، لتعطيل الدولة و«مؤتمر سيدر»، إنقاذاً للاقتصاد اللبناني المتدهور.

 

الحدث الكلامي ليس وحده هو الحدث: فزيارة هيل لبنان تبقى أسهل على إيران من انعقاد القمة العربية (غداً) في بيروت، التي يمكن أن يستفيد منها لبنان على مستويات مختلفة: فهذا الانعقاد تأكيد عربي من 21 دولة على دور هذا البلد العربي الاستثنائي، بل وتعزيز لاحتضان لبنان المُحاصر من إسرائيل المُهددة، وإيران المُفرسنة، واللتين تسعيان إلى عزل لبنان ليس عن محيطه العربي فقط، بل تدمير كيانه وثقافته، ودولته، وديموقراطيته، وتاريخه وحدوده وشعبه نفسه. فلبنان بين كماشتين إرهابيتين: العدو العبري من جهة، والآخر الملالي من جهة أخرى. وترك لبنان بين هذين الوحشين ضربة للعرب أيضاً، وللجامعة العربية، وللروابط العربية، والهوية العربية..

 

الدمية

 

لقد حاول حزب الله، على امتداد عقود موجَّهاً من إدارة الملالي، (بسلاحها ومالها وأيديولوجيتها وسياستها) أن يكون الدمية المتفجرة في وجه العرب في سوريا والعراق واليمن ولبنان؛ مستفيداً من الاستراتيجية الإسرائيلية: تحويل العالم العربي دويلات وكانتونات مذهبية متناحرة، وتدمير دولها، وتهجير شعوبها، وإذلالها، في ما سمّي «الهلال الشيعي الكبير» تيمناً بـ«إسرائيل الكبرى». وإذا كان قد انكسر هذا الهلال الزجاجي بهزائم إيرانية في سوريا والعراق واليمن فيعني ذلك أن لبنان بقي البلد الوحيد الذي يمكن لإيران أن تستخدمه (عبر حزبها)، للتعويض عن خسائرها، وتحويله منصة إرهابية، تنطلق منها مؤامراتها على العرب، وعلى خصومها في العالم.

 

العرب

 

وما عودة العرب إلى لبنان، وإن بمؤتمر اقتصادي، سوى ترميم الجسور التي حاولت إيران قطعها، لاستفراد «البلد الصغير»، عودة اقتصادية – سياسية – ثقافية، قوية برمزيتها، في اللحظة التي تتهيأ إيران (بحسب مصادر عديدة)، لقلب الطاولة في لبنان، والتهديد بقلب معادلات الطائف، وضرب النظام، وما تبقى له من ديموقراطية نسبية: بمعنى آخر، محاولة الهيمنة على لبنان وقراراته، واختراق بعض الطوائف والأحزاب المغلقة عليها كتيار «المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي»، ليكون لانقلابها واجهات تُعزّز ما سمي الثنائية الشيعية! ويوسعها كما تمّ احتواء الحزب الشيوعي اللبناني (على غرار داعش والقاعدة)..

 

ولطالما كتبنا في مقالاتنا أن إخراج السيد حسن نصرالله، من «أكمامه قضية النواب السنّة» (غير المستقلين)، ليس إلا رأس جبل الجليد، لأنه سيُخرج كثيراً من الأرانب من أكمامه، لتعطيل تأليف الحكومة، وها هي مسألة أخرى لم تفته وهي «القمة العربية».. الذي حاول مع بعض حلفائه تعطيلها بطرق عديدة: «التهديد»، و«التهجم على العرب»، و«محاصرة رئيس الجمهورية والحكومة»، والمطالبة «بمؤتمر تأسيسي» لتغيير دستور «الطائف». وما إنزال العلم الليبي من بين أعلام الدول العربية المُشاركة، إلا نوع من إهانة كل العرب، والشعب اللبناني، والحكومة، ونقول في هذا المجال: قضية الإمام الكبير السيد موسى الصدر هي قضية لبنانية وليست فقط قضية طائفة أو حزب. فحركته كما أسسها، ضمّت شخصيات من كل الاتجاهات: من مسيحيين وسنّة وشيعة ويسار وليبراليين. بمعنى أنها لم تكن حركة محدودة بطوائف معينة ولا بأيديولوجيا.

 

لكن نحن نفهم نبش قضية الصدر، فهو تشويش على انعقاد القمة العربية، والتدليل أن الأمور ليست في أيدي لا رئيس الجمهورية ولا سعد الحريري ولا الدولة ولا الأمن: بل الأمور لنا. بل كأنهم يريدون نزع شرعية الدولة لنزع شرعية الوجود العربي في لبنان، وهذا ما استنتجناه من مواقف الحزب من «مؤتمر سيدر»: سلبية مطلقة، وإشاعات، وأكاذيب تدور حول أن هذا المؤتمر هو نوع من استعمار لبنان! رائع! فهم لا يريدون عرباً في لبنان، ولا أوروبيين، ولا أميركان، ولا أفارقة.. لا شيء! فذلك يُعزّز شرعية الدولة وينتقص من «شرعية» إيران المتهافتة على دعم سيادته واستقلاله عبر سلاح حزبها!

 

تظاهرة

 

وفي هذا الإطار تحديداً، ينظم الحزب تظاهرة «خضراء»، (بلون شعاراته وأعلامه)، (تيمناً بتحركات «السترات الصفر» في فرنسا): والفارق بينهما كبير جداً، وإن التقيا وتقاطعا على هدف التخريب والعنف والشعبوية.

 

فمظاهرة الحزب «الخضراء» المفترض أن تقوم، تدفع الحزب الشيوعي اللبناني كواجهة لها بعدما قرر مَن تبقى في هذا الحزب، الذي لم يعد له في لبنان أكثر من واحد بالمئة، الانحياز إلى الذين صفّوا المقاومة الفلسطينية في لبنان عبر واجهات طائفية من تل الزعتر وحرب المخيمات والشمال، ولإخراج عرفات من لبنان، وإحلال الحزب مكان المقاومة الفلسطينية في الجنوب، لتنتقل ورقة الحرب من أيدي منظمة التحرير إلى الأيدي البعثية والملالية، بل إن الحزب انحاز إلى مَن ألغوا المقاومة الوطنية نفسها، وحصروا المقاومة في أيدٍ مذهبية حصرية خارج إرادة الشعب اللبناني وحكوماته ومجلسه النيابي، فـ«فتح لاند» باتت «إيران لاند» (وكلنا نتذكر تصريحات خامنئي وبعض المسؤولين الإيرانيين: «لبنان وجنوبه وبيروته ولاية إيرانية»). أكثر: ومن لا يعرف أن «حلفاء» الحزب الماركسيين اللينيين الجدد هم الذين اغتالوا كمال جنبلاط (رئيس الحركة الوطنية)، وعدداً من نخب الحزب كالشهداء حسين مروة، والمفكر مهدي عامل وسهيل طويلة.. كنّا ننتظر أن يعيد هذا الحزب اليساري تنظيم صفوفه، بعد انخراطه في حرب مذهبية أملاً بركوب المقاومة الفلسطينية لتغيير النظام، والعمل على إعادة صوغ أفكاره وأيديولوجيته بعد كل التغييرات التي حدثت في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، بل كنا نتمنى أن يُمارس نقداً ذاتياً لكل المراحل السابقة، في أفقه الفكري والسياسي (لأن بلداً بلا يسار هو بلد يتيم يعوزه صراع أفكار)، كبديل من الصراع المذهبي.

 

الدرب

 

لكنه اختار الدرب الأسوأ خصوصاً بعد العواصف والصراعات التي اندلعت في داخله، وخرجت منه قيادات أساسية، وأعضاء تُعدّ بالألوف، انضم بعضها إما إلى الأحزاب المذهبية المختلفة، أو إلى مصالحه، أو إلى سبله الشتى. ولم يختر إعادة ترميم صفوفه، بأفكار جديدة، بل توقف بكل أسف عند «البيان الشيوعي»، الذي أكل الدهر عليه وشرب: الاستكانة إلى ما أسقط الاتحاد السوفياتي نفسه، وإلى «الماركسية اللينينية» التي ذابت في أتون التحولات الأيديولوجية والفكرية والتكنولوجية والليبرالية و«النيوليبرالية» والشعوبية والعودة إلى ما قبل التنوير، والنهضة العربية، والديموقراطيات، وحتى الأيديولوجيات اليسارية، فالحزب الشيوعي الفرنسي (بفضل أمينه العام السابق جورج مارشيه ومَن تولى القيادة بعده) لم يعد له سوى واحد بالمئة من الشعب الفرنسي. تماماً كالحزب الشيوعي اللبناني. نقول هذا بأسف لأننا نعتبر التعددية الفكرية: اليسارية – اليمينية، هي التي تضعف من الصراعات المذهبية!

 

إذاً، الحزب الشيوعي انخرط مرة أخرى في الطاحونة المذهبية (وكأنما لم يعد لديه ما يخسره)، وسيتصدر الأحد كما نشرت بعض وسائل الإعلام تظاهرة قليلها منه وكثيرها من حلفائه 8 آذار.. (يذكرنا بالاتحاد العمالي العام عندما جُعل منه في 7 أيار واجهة عمالية لتخريب لبنان، بغية تغيير معادلاته)، لكن ماذا عسانا ننتظر من حزب باع جريدته «الأخبار» (وهي رمزه السياسي والأيديولوجي)، وباع هواء «إذاعة الشعب» إلى إحدى المحطات التلفزيونية!

 

ونظن أن هذه التظاهرة الخضراء التي لا نعرف ما إذا كانت ستنحرف إلى العنف أم ستبقى سلمية، ما إذا كانت ستكون أداة لتفجير فوضى اجتماعية وسياسية تستفيد منها إيران وحزبها.. وبشار الأسد – ميشال سماحة! إنها تظاهرة معاداة الدستور، والدولة، والديموقراطية لمصلحة الدويلة!

 

فالسيد حسن نصرالله اخترق «المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» (الحليف السابق في الحزب)، ببعض الأفراد جعلهم كأحصنة طروادة في طوائفهم.. وها هو يطلق في الميدان «حصان طروادة» آخر من صنعه.. هو الحزب الشيوعي! الذي بموقفه هذا نعى نفسه إلى الأبد!

 

بول شاوول