المقاومة المسلحة على مدى أربعين عامًا قادت عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني إلى مراجعة عميقة للتجربة والظروف المتغيرة، انتهت بالتخلي عن السلاح وتطوير الهدف السياسي والديمقراطي. تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني قبل قيام إسرائيل وبعد احتلالها لغزة والضفة الغربية وسيناء والجولان في حرب 1967، كشفت فشل المقاومة المسلحة وتعثر تسوية “أوسلو” إلى جانب “النكبة الجديدة” في حرب غزة بعد “طوفان الأقصى” على يد “حماس”. لكن هزيمة “حزب الله” في “حرب الإسناد” لغزة التي أنهت فيها إسرائيل قادة الصفين الأول والثاني في “المقاومة الإسلامية” ودمّرت وهجّرت وأعادت الاحتلال لم تدفع إلى القول بعد أية مراجعة “وداعًا أيها السلاح” على حد عنوان رواية أرنست همنغواي عن حرب إسبانيا. فالتمسك بالسلاح إلى حد التهديد بحرب أهلية دفاعًا عنه في مواجهة سحبه بقرار في مجلس الوزراء هو القرار الثابت والعنوان المتكرر في الخطاب اليومي. والتنظير لضرورة الحفاظ عليه يبدأ من التذكير بما حدث في الماضي ولا ينتهي بالإصرار على أن الواقعية تحتمه، ولكن في واقعية من خارج الواقع .
ذلك أن الواقع يكشف ما يغطيه التنظير. فليس بين المقاومات الوطنية وحتى المقاومات الإتنية مقاومة دائمة. ومن الوهم الحديث عن هدف وطني للمقاومة إن لم تكن بنيتها وطنية مفتوحة للجميع وقادرة على إقامة جبهات وتحالفات، على عكس “المقاومة الإسلامية” التي بنيتها مذهبية إيديولوجية مغلقة وهدفها جزء من هدف المركز الإقليمي الذي أسسها ولا قدرة لها على إقامة جبهة. والمشهد بلا ظلال. سلاح صامت أمام الاعتداءات الإسرائيلية اليومية منذ خريف 2024، وناطق في الاستعداد لإسناد إیران في حرب أمیركیة وإسرائيلية. ولا لغز في الأمر. صمت السلاح أمام الاعتداءات مطلوب من إيران التي تريد من الأذرع المرتبطة بها تجنب التورط في حرب تضعفها أو تنهيها لكي تبقى قادرة على الدفاع عن “الرأس”. وتشغيل السلاح في حرب إقليمية ودولية ضروري وحتمي لحماية إيران أو إيذاء أعدائها.
والمفارقات غريبة عجيبة، وإن أريد لها أن تبدو كأنها طبيعية وليست مفارقات.
فالسلاح الذي يُعطى له عنوان المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي والخطر الإسرائيلي الدائم، ولو من دون احتلال، له أدوار خارج لبنان. فضلًا عن أنه يورط البلد في صراعات أوسع حتى من صراعات إيران ويؤدي إلى مشاكل مع الأشقاء العرب قبل الأصدقاء الدوليين. لا بل إن الارتباط الكامل بولاية الفقيه يمثل في نظر أصحابه “السيادة الحقيقية” في لبنان، وسط اتهام الأكثرية اللبنانية بأنها تمارس “التبعية” لأميركا وإسرائيل وأوروبا ودول عربية وتسميها سيادة لبنانية.
وما ساهم في تفرد “المقاومة الإسلامية” بالقتال في الجنوب ليس فقط غياب الدولة واستمرار الاحتلال هناك بعد الاجتياح عام 1982 بل أيضًا تفاهم سوري – أيراني على توظيف هذه المقاومة في تحقيق أهداف تكتيكية لدمشق، وخدمة مشروعاستراتيجي جيوسياسي لطهران. وما جعل “حزب الله” يتمتع بما سمي “فائض القوة” ويمارس التحكم بالدولة والتنمر على أكثرية اللبنانيين ليس فقط السلاح والمال والترابط بين “الحزب” والبيئة الحاضنة بل أيضًا ضعف الآخرين وحساباتهم الفئوية الضيقة وحتى الشخصية، وخوف المسؤولين من زعزعة الاستقرار وارتياحهم إلى إدارة ما يسميها كارل ميردال “الدولة الرخوة”. حتى هزيمة السلاح في حرب الإسناد، فإنها لم تبدل سوى قليل في قواعد اللعبة، ولا أدت إلى أي تغيير في استكبار “حزب الله” تجاه المسؤولين وبقية اللبنانيين. وإذا كان لبنان المدعوم عربيًا ودوليًا يبدو حائرًا في مرحلة ما بعد “اليونيفيل” وما قبل شمال الليطاني وأمام “الفجوة” المالية والإصلاحات الجدية، فإن “حزب الله” المضروب بقوة يوحي بأنه يعرف ماذا يفعل على الطريق نفسه الذي سار عليه. والوقت حان للخروج من مرحلة “الدولة الرخوة”. من نصائح الجنرال جياب الذي هزم فرنسا ثم أميركا في فيتنام قوله: “تحكّم بتوقيت التصعيد ومداه حتى تكون مستعدًا له ومحتاجًا للتصعيد”.