برّي: لم أعد أميزّ بين الموالي والمعارض

     

اتفاق الطائف ضيف كل مناسبة. هذا العام سنته الثلاثون. اتى البيان الوزاري على ذكره، كذلك ذكرى الرئيس رفيق الحريري كما في سني ذكراه المنصرمة، قبل تأليف الحكومة الحالية في عز الاحتدام الداخلي، وابانها في ذروة الكلام على الاعراف والمعايير والصلاحيات

 

ليس ثمة فريق إلا يؤكد تعلقه باتفاق الطائف والتزامه. حلفاء رئيس الحكومة سعد الحريري وخصومه. لا بديل منه، لكن احداً لا يريد تطبيقه. خلال الحقبة السورية بدءاً من عام 1990 طبّقته دمشق على طريقتها، مشوّهاً تبعاً لملاءمة إحكامها القبضة على السلطات اللبنانية برمتها. بعد خروج جيشها من لبنان عام 2005 لا يزال يطبّق بالطريقة نفسها. المفارقة ان افرقاء الحقبة السورية لا يزالون اياهم، زيد عليهما افرقاء مسيحيون. الاولون ترعرعوا على تطبيق اتفاق الطائف وفق ما شاءته سوريا وافادوا منه ومنها. الجدد الذين لم يخبروه من الداخل حينذاك، إما لم يعرفوا من تطبيقه سوى تلك، وإما ليس في وسعهم وحدهم تطبيقه على نحوه السليم.

 

الخميس الفائت قال رئيس الحكومة في ذكرى اغتيال والده، كما من قبل، «نحن حراس الطائف»، ولن يتنازل عنه ولن يقبل بخرقه. الرئيس نبيه برّي يتمسّك به. حزب الله لا يريد سواه، ويفصل بينه وبين سلاحه. النائب السابق وليد جنبلاط يخشى عليه. اثنان دفعا ثمنه باكراً: الرئيس ميشال عون حينما رفضه، الا انه انتخب رئيساً للجمهورية في ظله بعد اكثر من ربع قرن، ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع اراد الشق المسيحي فيه على قياسه فقاده اعتراضه الى وراء القضبان.

بانقضاء ثلاثة عقود على هذا الاتفاق، بعد ثمانية اشهر، ماذا يتبقى من اتفاق الطائف كي يصرّ عليه هؤلاء: يريدونه من غير ان يطبّقونه؟

منذ عام 1990 أُدمجت الاصلاحات السياسية في «وثيقة الوفاق الوطني» في متن الدستور، فخرجت من اتفاق الطائف الذي بالكاد لبث منه بعض البنود غير المطبّقة بعد. ابوابه الرئيسية الثلاثة طُبقت نهائياً. بعضها ارادياً كاقرار الاصلاحات السياسية، وبعضها الآخر بالارغام كشقّي العلاقات اللبنانية – السورية (بداية بخروج الجيش السوري من لبنان ثم بالحرب في سوريا نفسها التي جرفت معها المعاهدة والاتفاقات وإن من دون إلغائها حتى)، وكتحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي (عام 2000). مقدمة الاتفاق نفسها أُدخلت في الدستور واضحت مقدمته في جلسة التصويت على اقرار الاصلاحات في آب 1990.

بذلك، ما خلا بضعة بنود بعضها جزء من النظام السياسي (اللامركزية الادارية والغاء الطائفية السياسية واستقلال القضاء واقفال ملف المهجرين والمراسيم التطبيقية وقانون الانتخاب) وبعضها الآخر في صلب السيادة الوطنية (حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية)، لم يعد ثمة اتفاق طائف سوى في مسألة واحدة ذات مغزى، انه انهى الحرب اللبنانية عام 1989. يكاد يكون رفض العودة الى الحرب والاقتتال عنوانه الوحيد – والأخير حتى – لما بات يرمز اليه اتفاق الطائف، وكان عامذاك واحداً من عناوين شتى اخرى عندما اجتمع عليه البرلمانيون اللبنانيون في المملكة: انهاء الشغور الرئاسي واعادة بناء المؤسسات الدستورية (وكانت رئاسة البرلمان شغرت منذ تشرين الاول 1988 بعد شغور رئاسة الجمهورية في ايلول، ناهيك بالانقسام بين حكومتين وتفكك – والاصح تفكيك – الجيش)، إلى تحقيق المشاركة في الحكم وتنظيم السلطات والصلاحيات والعلاقات المميزة مع سوريا والاحتلال الاسرائيلي.

من اجل ذلك يصح ان يقال لم يعد، سوى في الذاكرة وعلى الورق وفي ارادة عودة العودة الى الحرب الاهلية، ثمة اتفاق الطائف.

اما ادارة السلطة والحكم، منذ عام 2005، ثم منذ منذ اتفاق الدوحة عام 2008، وصولاً الى اليوم، فليس فيها ما يشبه «وثيقة الوفاق الوطني». بل الصواب انه بات فيها الكثير الذي يتناقض مع الدستور. من القليل في هذا الكثير:

1 – صار قانون الانتخاب هو الذي يضع معايير تأليف الحكومات من خلال تحديد احجام الكتل النيابية المؤهلة للتوزير. من ثم إحداث سابقة ربط تأليف حكومات تلي انتخابات نيابية بنتائج هذه الانتخابات، كي تكون السلطة الاجرائية صورة مصغرة عن السلطة الاشتراعية. ناهيك بأن اتفاق الطائف حدّد مواصفات قانون انتخاب لا يمت بصلة الى قانون انتخابات 2018.

2 – كل حكومة بات يقتضي ان تكون ثلاثينية، باسم حكومة الوحدة الوطنية، ما ألغى المبدأ الدستوري المنصوص عليه في مقدمة الدستور بالفصل بين السلطات، تالياً إلغاء فحوى المبدأ الدستوري الآخر المكمل وهو تعاونها، اذ يصبح كل البرلمان تقريباً ممثلاً في السلطة الاجرائية، ما يسقط قاعدة المراقبة والمحاسبة وطرح الثقة حتى. بحسب رئيس المجلس نبيه برّي: «الرقابة والمحاسبة قائمة وستكون. يمكن نزع الثقة بالوزير المخالف. المشكلة الفعلية تكمن في عدم تنفيذ الوزراء قوانين صادق عليها مجلس النواب».

يضيف: «مع ذلك، لم أتمكن في الجلسة من معرفة أياً من النواب الذين تكلموا هو موالٍ وأياً منهم هو معارض. كلهم يتكلمون بلغة واحدة».

 

رئيس المجلس: مشكلتنا في وزراء لا يطبّقون قوانين اقرها مجلس النواب

 

3 – رغم ان التكليف يتبع الآلية الدستورية، الا ان تأليف الحكومة اضحى ثمرة قيادة جماعية، لكل مَن فيها إما فيتو مذهبي او فيتو سياسي لا يمكن كسره. من دون موافقة الافرقاء الرئيسيين الذين يمثلون الكتل الكبرى على حصصهم وحقائبهم، يتعذر تأليف حكومة. ذلك ما حصل مع الحريري طوال 8 اشهر و6 ايام، ومن قبله الرئيس تمام سلام طوال 10 اشهر و8 ايام، وقبله الرئيس نجيب ميقاتي طوال 139 يوماً، صعوداً الى اولى حكومات ما بعد اتفاق الدوحة. مع ان اتفاق الطائف لم يقل بحكومة «اتحاد وطني» سوى لمرة واحدة، تسبق اقرار الاصلاحات السياسية في الدستور.

4 – مع ان الدستور ينص في المادة 65 على آلية التوافق في اتخاذ القرارات، حتى اذا تعثر يذهب مجلس الوزراء الى التصويت، الا ان الاجتهاد المستجد على المادة قضى بأن تحصر الحكومات المتعاقبة – منذ آخر تصويت مكلِف في 5 أيار 2008 – اقرار القرارات بالتوافق فقط. عند تعذره يعاد القرار المختلف عليه الى الادراج، ولا يخرج منها الا بعد ان يتحقق التوافق. لم يصدر في اي من حكومتي سلام (2014) والحريري (2016) على الاقل قرار بالتصويت.

5 – منذ اتفاق الدوحة يُنظر الى الثلث+1 على انه احد ابرز مقومات تأليف الحكومات، بغية ارساء توازن في الصلاحيات من جهة، واتاحة المجال امام تغليب فريق على آخر – في معزل عن رئيس مجلس الوزراء – ما يتيح له التحكم بنصاب التئام المجلس.