IMLebanon

بين استقالة الحريري وعودته: حساب التقريش يختلف

 

سواء عُدّت المقابلة التلفزيونية للرئيس سعد الحريري مساء الأحد مقدمة لعودته او تبريراً لبقائه في الرياض حتى اشعار آخر، الا انها افصحت عن مطالعة مختلفة النبرة تماماً عن تلك التي اعلن بها استقالته في 4 تشرين الثاني

 

بدت المقابلة التلفزيونية لرئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري اقرب الى صورته المألوفة عنه. يعترض ويتذمّر على طريقته، المرتبكة والمترددة التي لا تعثر بسهولة على الكلمات التي يحتاج اليها للتعبير. يعيد صوغ الفكرة الواحدة عشرات المرات، كأنه يدور من حول نفسه كي تفضي الى المعنى نفسه.

 

لكن الاهم في ما قاله ان احداً لم يفهم تماماً هل استقال أم لا يزال رئيساً للحكومة؟ سيعود «قريباً جداً» أم لن يعود في الايام المقبلة؟ في الرياض يجد الحماية الشخصية لحياته اكثر منها في بيروت هو الذي لم يشكُ من الهاجس حتى ظهر الجمعة 3 تشرين الاول عندما قرّر ركوب طائرته الى الرياض؟ لا هو قيد الاقامة الجبرية ولا هو طليق يسعه الانتقال الى اي مكان في اي وقت؟

مع ان المقابلة التلفزيونية افسحت له في المجال كي يتحدّث للمرة الاولى منذ استقالته قبل ثمانية ايام، ويعيد تكرار ما قاله في البيان المكتوب للاستقالة بنبرة مغايرة مخفوضة، الا ان فحوى كلامه لم يفتح الباب على حل المأزق الحكومي الذي تسببت فيه استقالته، لأسباب شتى:

اولها، ان السعودية من خلال وجود الحريري على اراضيها، ارسلت اشارة واضحة لا لبس فيها، هي انها تملك مفتاح اسقاط الحكومة اللبنانية مقدار امتلاكها مفتاح تأليفها. تالياً، ما لم تعثر في الحكومة اللبنانية على جزء اساسي من مصالحها تحافظ عليها من خلالها، لن تسمح لها بالاستمرار. لن تتركها لخصومها، وتحديداً حزب الله وايران. هي بذلك لا تبصر توازناً جدّياً داخل حكومة الحريري الا بحمل حزب الله على الخروج من سوريا واليمن.

 

من خلال الحريري

قالت المملكة ان مفتاح اسقاط الحكومة في يدها

 

ثانيها، ان اعتراف الحريري باستقالة ملتبسة لم تسلك الاصول الواجبة في التقدّم بها ولا الاعراف التقليدية التي تحمل رئيس الجمهورية على قبوله او رفضها، لم يشِ بجديته في التعاطي مع تنحيه. لا تزال استقالة تلفزيونية رغم ان في وسع الرئيس قبولها فور اعلان صاحبها عنها، خصوصاً ان المادة 69 من الدستور، في فقرتها الاولى، تعتبر الحكومة مستقيلة حكماً باستقالة رئيسها. مع ذلك تذرّع الرئيس ميشال عون بـ«مبدأ السيادة الوطنية» كي لا يسجّل سابقة موافقة رئيس الدولة على استقالة حكومة اُسقِطت في الواقع من خارج البلاد، او فُرض اسقاطها على رئيسها. لم يكن ليعدم الحريري وسيلة لايصال استقالته الى الرئيس، سواء بالادلاء بها من السفارة اللبنانية في الرياض وهي ارض لبنانية ذات سيادة، او من خلال الحقيبة الديبلوماسية السرّية او بوسائل المراسلة الالكترونية ممهورة بتوقيعه. بدا المقصود استقالة من بُعد ليست هدفاً في ذاتها، بل وسيلة تصويب على هدف آخر هو الاستقرار الداخلي. كانت تلك الاشارة المضمرة الثانية الى مرجعية الرياض لا السرايا.

ثالثها، لم يكن ابرام التسوية السياسية في تشرين الاول 2016 على بند النأي بالنفس الذي اعتمد في وقت لاحق، في كانون الاول، في البيان الوزاري لحكومة الحريري. بل على شقين مختلفين متلازمين يرسيان توازناً سياسياً داخلياً جديداً: وصول عون الى قصر بعبدا في مقابل وصول الحريري الى السرايا. شكّل ذلك العمود الفقري لتسوية تخرج البلاد من مأزق مسدود هو الشغور، وتعيد الحريري الى رئاسة الحكومة على نحو يترافق معه الرجلان في السنوات التالية للعهد. قيل حينذاك ان تعهدات بذلك قطعت. لم يكن حزب الله ثالثهما في ابرام الاتفاق من غير ان يفوته اي من تفاصيله التي تفاهم عليها الشريكان، وكانت معظم بنود الاتفاق ناقشها الحريري مع النائب سليمان فرنجيه عندما رشحه للرئاسة في تشرين الثاني 2015 واخفق في ايصاله الى رئاسة الجمهورية. بالتأكيد لم يضع حزب الله سلاحه وتدخله في حربي سوريا واليمن على طاولة التسوية، ولم يتقدّم بأي تعهّد ان يفعل. لم يقايض مشاركته في الحكومة الاولى للعهد ــ وكانت حتمية ــ في مقابل خروجه مقاتليه وسلاحه من البلدين اللذين يخوض على ارضهما نزاعاً مسلحاً تقف المملكة في المقلب الآخر منه. وهو سبب كاف كي يحجب الحزب اليوم، في المفاوضات الجديدة التي تحدّث عنها الحريري، ما لم يُعطه قبلاً.

رابعها، ليست الاستقالة اعطت الحريري هذا الجرف غير المسبوق من الشعبية والتضامن معه، بدءاً من رئيس الجمهورية مروراً برئيس البرلمان نبيه برّي وقواعد الطوائف على نحو لم يحزه في انتخابات 2005 و2009. بل ما شاع عن وجوده في اقامة جبرية وتقييد تنقلاته واخضاعه للحراسة وامتهان كرامته كرئيس للحكومة اللبنانية، فمدّه بتعاطف استثنائي لم يخبره قبل احد سواه، بما في ذلك والده الراحل رفيق الحريري ابان محن علاقته بالرئيس اميل لحود. رفض رئيسا الجمهورية والمجلس الاستقالة بسبب ظروف الادلاء بها ومنبرها ناهيك بـ«الاحتجاز» هناك اظهرتها ملتسبة، واوحت بفرضها عليه وعلى الحكم اللبناني حتى. تالياً ليس تأكيد استقالته مَن سيمدّه بمزيد من التضامن والتأييد والتعاطف معه، بل تعليق الآمال على استعادته حريته وعودته الى بيروت. وهو ما حاول الحريري تبديده في المقابلة التلفزيونية. اما الكلام عن اصرار على الاستقالة ما لم يصر الى العودة بالتفاوض وحزب الله الى النقطة الصفر حيال تدخله في اليمن وسوريا، فذلك شأن آخر وحساب مختلف.