IMLebanon

أبعد من أنوف قصيرة !

على رغم احتدام مشاعر الحرقة والغضب التي تعتمل بعمق غير مسبوق لدى جميع اللبنانيين مع استشهاد كوكبات الجنود والضباط في الجيش، ترانا نعود الى حقيقة شديدة الأثرفي معمودية لبنانية قد تفضي الى واقع مغاير تماماً لكل السواد الذي نعيشه. هذه المعمودية ترتسم عبر واقع صاعد من شأنه ان يضع سياسات السياسيين امام عيب فادح يحجب عنهم الاهمية الساحقة لصناعة حقبة متغيرة في مصير لبنان قد تكون نتائجها ابعد بكثير من الانوف القصيرة لاولئك الذين لا يرون ابعد من أنوفهم.

في شرق أوسط تستبيح فيه حمامات الدماء الخرائط والحدود والشعوب على نيران صراعات دينية وأصوليات ومذابح، صارت معركة لبنان مع الارهاب اكبر حروبه الدفاعية التي تضع اللبنانيين في موقع المساند الخلفي الحتمي للجيش في معادلة لا خيار فيها سوى هذه الثنائية . ولعلها ليست عابرة تلك الظاهرة التي تعم لبنان الآن، وعلى الاقل معظم مناطقه الحدودية مع سوريا حيث يتحول اللبنانيون “حرسا دفاعيا” ظهيرا للجيش من دون ان ينفلت حبل الانتظام العام بما يعكسه ذلك من عمق الثقة الشعبية بالجيش واحترامه، فيما هو يتكبد ضريبة الدماء دفاعا عن الاخطار المحدقة بالحدود وبلبنان. الذين منا جايلوا حرب الـ ١٩٧٥ يدركون الفارق الكبير بين تفلت ميليشيوي أطاح الدولة وكل معالمها آنذاك بلمح البصر وبين ما كان يمكن ان يحصل حاليا لو لم يكن شيء ما مختلف قد طرأ على طبائع معظم اللبنانيين. ولكن، والحق يقال، ان الجيش ايضا تغير وتبدل وصار اكثر احترافا واكثر مدعاة للثقة. لن نقلل خطورة ما تركته ظواهر عدة مرتبطة بوجودات مسلحة وواقع حزب اقوى من الدولة على الجيش. ولكن للمرة الاولى ربما ترانا امام امر واقع آخر فرض على لبنان خوض تجربة شمولية باللحم الحي العاري وتبدو فرص نجاحه فيها اكبر مما يتوقع معظم أهله ولو بأثمان واكلاف هائلة.

ولعلنا لا نجد اي حرج ان قلنا ان افضل تصوير مجازي وواقعي ومبدئي في آن واحد لمعركة الجيش على الحدود الشرقية مع سوريا جاء على لسان فريق سياسي داخلي هو أمانة ١٤ آذار بإدراجها هذه المعركة في اطار ترسيم الحدود اللبنانية – السورية بالدماء الزكية للجيش اللبناني. انها فعلا معركة استقلالية ووجودية في نهاية المطاف. ولا فارق هنا بين نظام سوري معروف بصيته الشهير في سحق السيادة اللبنانية وتنظيمات ارهابية لا تقل عنه سوءاً وإجراماً وارتكابات ضد الانسانية ما دامت تمعن في ارتكاب المجازر اسوة بما يفعل عدوها ولو اختلفت أسلحة الابادة بين حد السكاكين والبراميل المتفجرة ضد الابرياء والأقليات والأكثريات سواء بسواء.

ان يصمد لبنان في وجه كل هذا الهول ليس اقل من مخاض لمستقبل مختلف