بكركي المسار والرسالة

 

الكلمة التي استهل بها غبطة البطريرك نيافة الكاردينال مار بطرس بشارة الراعي المؤتمر التشاوري الذي دعا إليه وترأسه، أمس، في الصرح البطريركي يجب أن تكتب بماء الذهب وتعلق ذخيرة ليس فقط في أعناق الموارنة وصدور جدران منازلهم بل أيضاً في كل بيت لبناني، لما تميّزت به من قيمة لبنانية صافية ووطنية صادقة وإنسانية سمحاء.

 

ولم يكن عبثاً اقتباس نيافته أقوالاً لاثنين من أسلافه العظام، البطريركين مثلثي الرحمة الياس الحويك وأنطوان عريضة فهذا تراث ذلك الذي أُعطي له مجد لبنان بحق وحقيق، لأنه كان «واسطة العقد»  في نشوء هذا الوطن الفريد بين الأوطان قاطبة، في مشارق المعمورة ومغاربها. وإذا  كانت حالنا المزرية على ما هي عليه منذ بضعة عقود، فليست المسؤولية على التجربة اللبنانية الفذة، إنما على الذين آلت اليهم أمور الوطن، في تلك  العقود.

 

بكركي، كما قال الراعي مقتبساً من سلَفه  عريضة ليست وقفاً على الطائفة المارونية فحسب، بل هي «بيت جميع اللبنانيين و(هي) وقفٌ للمصلحة  اللبنانية لا فرق  بين طائفة وأخرى». وحتى في الاجتماع التشاوري أمس أكدّ غبطته أن اللقاء «من أجل لبنان واللبنانيين وليس في نيتنا إقصاء أحد أو التباحث في أمور خاصة بنا دون سوانا».

 

وعندما ركز غبطته على «خطورة» الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية والمعيشية إنما كان ينطق بلسان كل لبناني من الناقورة الى النهر الكبير ومن الشاطئ الى  ذرى الجبال.

 

وفي المباشر أعاد البطريرك سبب الأزمات على أنواعها الى «عدم تطبيق اتفاق الطائف والدستور المعدل بموجبه» ما استدعاه الى أن يرفع الصوت محذراً «الوحدة اللبنانية مهددة اليوم» التي سماها  سلَفَه الحويك «الوديعة الثمينة (…) لأنها ترسي أسس الميزة اللبنانية»..

 

وجاء البيان الختامي بقرارات مستوحاة من كلمة غبطته بل تتبنى ما ورد فيها مع توضيح (أو تفسير) لبعضها فأعلن المشتركون  عن «تعلقهم بالوحدة الوطنية وبالميثاق الوطني(…) وبحسن إدارة التعددية على أساس الشراكة الوطنية  العادلة والمحقة» و«التمسك بإستقلالية القرار الوطني» و«بوجوب تطبيق الدستور نصاً وروحاً».

ومن دون أي تواضع منافق أو مزيّف أعلنوا «أن حضور المسيحيين في لبنان ودورهم الفاعل فيه ومحافظتهم على الأرض وعلى الحرية هي شروط لاستمرار لبنان الرسالة كنموذج للتعددية والتنوع والحرية والديموقراطية».

 

ولم يكن بد من «الدعوة الى الإسراع في تشكيل حكومة وفق الدستور وآلياته». كما لم يفتهم التنديد «بالانتهاكات الاسرائيلية المتكررة لسيادة لبنان»… والدعوة الى «دعم الجيش والقوى الامنية»(…).

 

إن خطاب نيافة الكاردينال غبطة البطريرك الراعي ومقررات المؤتمر التشاوري أمس تشكل في يقيننا مدخلاً الى حل مستدام إذا ما عمل بها.  كما تشكل قاعدة للتعامل مع التطورات بروح المسؤولية الوطنية والأخوة اللبنانية. فلا عرض عضلات ولا شتائم ولا تعالٍ على الشريك ولا استهتار به وبمعتقداته…

 

لقد كان اللقاء في الصرح البطريركي أمس أكثر من تعبير صادق عن الموارنة ودورهم السابق والآتي واللاحق… فقد كان (وليؤذن لنا القول) نموذجاً راقياً لما يجب، أن تكون عليه لغة التخاطب بين أطياف الوطن..

 

سيدنا بشارة الراعي أمدّ الله في عمرك أيها الكبير الملتزم مساراً رسمه أسلافك العظام.