IMLebanon

قصة التجسّس البريطاني على المقاومة في لبنان

 

ثلاثة أشهر مرّت على حرب الإبادة والتهجير في غزّة والضّفة الغربيّة، والموقف الرسمي البريطاني لا يزال مؤيّداً لاستمرار العدوان الإسرائيلي. ولم تعدل الموقف الرسمي كلّ التحركات المعارضة ولا عشرات آلاف الحناجر التي تهتف دفاعاً عن فلسطين في شوارع لندن، ولا بعض الهمسات «العاقلة» داخل أروقة وزارة الخارجية، إذ ظلت الدولة العميقة على موقفها بتغطية المذبحة الإسرائيلية بحقّ الفلسطينيين.وفيما يحاجّ بعض الساسة البريطانيين، بأن اختيار ديفيد كاميرون وزيراً للخارجية، يصبّ في سياق تعديل تدريجي للموقف البريطاني من العدوان، فإن مواقف كاميرون الأخيرة، تنسف أي تفاؤل بتحوّل ملموس. وقال لجريدة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية، إنه «لا يمكن أن يكون هناك وقف فوري لإطلاق النار وإحلال حل الدولتين، فهما غير متوافقين بشكل متبادل». هذا الموقف، جاء تعقيباً على مقاله المشترك مع وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك في صحيفة «صنداي تايمز»، حيث أصرّا على رفض وقف إطلاق النار الفوري، وبدل ذلك منح إسرائيل الوقت للقضاء على حركة حماس والوصول إلى «وقف إطلاق نار مستدام».

إشارة سلبية أخرى، هي ما كشفت عن دور رئيس الحكومة السابق طوني بلير، صاحب السجلّ الأسود في قتل العراقيين، في تبنّي المشروع الإسرائيلي بتهجير أبناء قطاع غزة، ما دفع لندن إلى إصدار موقف توضيحي يعتبر غزّة أرضاً فلسطينية ويرفض الحديث عن تهجير السّكان. ويحصل كل ذلك في ظل استعداد بريطانيا للدخول في سباق الانتخابات البرلمانية هذه السنة، وسط تنافس حادّ بين المحافظين وحزب العمّال في الملفات الاقتصادية ومنافسة على التشدّد في ملفّ الهجرة واللجوء. وتبدو الأجندة البريطانية مثقلة بالهموم الخارجية، من الحرب في أوكرانيا والتطورات في البلقان، إلى التوتّرات في أميركا اللاتينية، والاهتمام المستمرّ بمنطقة المحيط الهادئ، مع سعي واضح إلى ترميم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. وربّما تكون هذه هي مهمة كاميرون، من غير اكتراثٍ حقيقي لما يحدث على الضفاف الشرقية للمتوسط.

 

مراقبة سلاح المقاومة

«الإهمال السلبي» الدبلوماسي والسياسي البريطاني للحرب على غزّة، يقابله تورّط عسكري وأمني، إذ تستمر وسائل الإعلام البريطانية، في كشف أدوار أمنية وعسكرية في دعم جيش الاحتلال الإسرائيلي في الحرب على غزّة، بعضها حقيقي وبعضها مبالغ به. كما تزداد المعلومات في لبنان، عن نشاط تقوم به المخابرات العسكرية البريطانية، أو ما يُعرف بالاستخبارات الدفاعية (ID)، للتجسس على المقاومتين اللبنانية والفلسطينية. صحيفة «ذا تايمز» كشفت مثلاً بداية الشهر الماضي، أن الطائرات البريطانية تجوب سماء العراق وسوريا بحثاً عن إمدادات الأسلحة لحزب الله ومجموعات مسلّحة أخرى، بهدف إحباط عمليات التسليح، مع دور واضح للاستخبارات الدفاعية البريطانية، التي تُعنى عادةً بمهام الاستعلام العسكري وتتبع لوزارة الدفاع.

وكذلك كشفت مصادر عسكرية لبنانية لـ«الأخبار»، عن أن المخابرات العسكرية البريطانية تحاول الاستفادة من البنية التحتية التي تم إنشاؤها على الحدود اللبنانية ـ السورية من الأبراج وأجهزة المراقبة، لجمع المعلومات عن أي عمليات تهريب للأسلحة عبر الحدود اللبنانية لصالح المقاومة. وقالت المصادر لـ«الأخبار» إن البريطانيين علّقوا صوراً للأسلحة السورية والإيرانية والروسية التي من المحتمل أن يتمّ نقلها على الحدود إلى لبنان داخل أبراج المراقبة، لكي يتمكّن الجنود اللبنانيون من تشخيصها وضبطها!

 

 

مخابرات بلباس صحافي

حادثة لافتة أخرى، تثير الريبة في الأوساط العسكرية والأمنية، حول دور عسكري بريطاني في لبنان يتعدّى ما يعلنه البريطانيون عن تدريب الجيش اللبناني أو الحاجة إلى وضع خطّة إخلاء للمواطنين البريطانيين في حال اندلاع حرب واسعة في البلاد أو المنطقة، إذ علمت «الأخبار» أن الجيش اللبناني أوقف منح تصريح دخول إلى الجنوب لأحد الضّباط البريطانيين السابقين، بعدما جرى الاشتباه بأن الأخير يحاول الدخول إلى الجنوب بهدف جمع المعلومات عن حزب الله والنشاط العسكري لحركة «حماس»، من ضمن فريق شبكة «سي. أن. أن.» الأميركية. وكان سبق للضابط «واين غ.»، أن عمل لسنوات ضمن الفريق العسكري البريطاني المكلّف بتدريب أفواج الحدود البرية الأربعة في الجيش اللبناني، وتزوّج بسيّدة لبنانية، قبل أن ينتقل إلى أوكرانيا ضمن فريق تابع لـ«سي. أن. أن.» حيث عمل بشكل لصيق إلى جانب القوات الأوكرانية. وبعد عملية 7 أكتوبر مباشرة، انتقل إلى لبنان ليلتحق بفريق «سي. أن. أن.» في بيروت. وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن واين حاول أيضاً الحصول على ترخيص عبر فريق عمل قناة «بي. بي. سي» في بيروت.

ولم تحسم الجهات العسكرية اللبنانية إن كان واين، يعمل لحساب المخابرات العسكرية البريطانية، أم لحساب شركة أمنية لديها نشاط واسع في فلسطين المحتلة وتعمل أيضاً بشكل لصيق بالتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي على تأمين الأمن لمجموعات من الصحافيين الغربيين، بعضهم يدخل إلى غزّة مع قوات الاحتلال.

تتخبّط لندن في مقاربتها من تغطيتها للعدوان إلى فضيحة بلير إلى دور كاميرون السلبي

 

«الأخبار» حاولت الاتصال بمكاتب «سي. أن. أن.» في بيروت، ومكتب أخبار القناة في لندن للحصول على أجوبة عن نشاط واين وسبب رفض الجيش اللبناني تجديد الترخيص له، من دون جدوى، بعدما تبيّن أن فريق عمل القناة لا يزال في عطلة العام الجديد.

من جهتها، رفضت مصادر رسمية عسكرية في الجيش اللبناني التوضيح أكثر حول أسباب عدم تجديد تصريح العمل للضابط البريطاني السابق، مشيرةً إلى أن «لدى الجيش أسبابه لرفض أو منح أي فرد أجنبي تصريحاً أمنياً للدخول إلى الجنوب، وليس مضطراً للتوضيح». ولفتت المصادر إلى أن «الدول عندما ترفض منح الأجانب تأشيرات السفر ترفض أيضاً توضيح الأسباب وتكتفي بإبلاغ قرارها إلى صاحب الشأن».

بدورها، لم تعلّق مصادر السفارة البريطانية في بيروت على استفسارات «الأخبار» حول قضيّة واين، ولا حول النشاط العسكري أو الأمني البريطاني في لبنان. إلّا أن مصادر مقرّبة من السفارة، أكّدت لـ«الأخبار» أن «بريطانيا تساعد الجيش اللبناني على الحد من عمليات تهريب الأسلحة على الحدود اللبنانية السورية وهي ساهمت وتساهم في بناء أفواج الحدود البرية والبنية التحتية. وهذه المهمة هي من صلب مهام دعم الجيش البريطاني للجيش اللبناني»، كما أكّدت أن «الأبراج والبنية التحتيّة على الحدود هي في عهدة الجيش اللبناني ولا سلطة للبريطانيين عليها».

 

 

خطّ تل أبيب – بيروت «شغّال»!

في انتهاك متكرر لبروتوكولات الطيران في لبنان، سجّل موقع IntelSky الذي يرصد حركة الطيران، هبوط طائرة بريطانية من طراز إيرباص (A400M Atlas، مسجلة باسم ZM416 وتحمل علامة النداء RRR4986)، في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، أمس، قادمة مباشرة من تل أبيب. ويعدّ هبوط الطائرة خرقاً للسيادة اللبنانية ولسياسة لبنان برفض استقبال الطائرات التي تأتي من كيان العدو مباشرة من دون الهبوط في دولة ثالثة. ومنذ 7 تشرين الأول الماضي، تُسجّل حركة نشطة ومشبوهة للطائرات العسكريّة الأجنبيّة التي تقوم برحلات بين مطار بيروت وقاعدة حامات الجوية التابعة للجيش اللبناني، وبين قواعد عسكرية في المنطقة، من بينها مطار تل أبيب، ما يثير أسئلة حول الأهداف من وراء هذه الرحلات وطبيعة حمولاتها، فيما يطبق الصمت على الجهات الرسمية والأمنية اللبنانية، باستثناء بيان يتيم للجيش في العاشر من تشرين الثاني الماضي، أشار إلى أن «جزءاً من هذه الحركة روتيني لنقل المساعدات العسكرية إلى الجيش»، فيما لم تُعرف ماهيّة الجزء الثاني.