IMLebanon

ثقافة اللافتات والصور على مد الجمهورية.. و «جمهورياتها»

معظم لبنان من دون لافتات وصور.

على الأغلب لا أثر للبنان في ذاكرة مواطنيه من دون أعلام ولافتات حزبيّة. ثقافة «الإجهار بالانتماءات الحزبيّة» في الشوارع والأزقّة وحتى «تلزيم» شرفات المنازل، ليست حديثة العهد، بل تمتدّ إلى سنوات الحرب الأهليّة.

لم يتحوّل لبنان إلى «غابة شعارات» فجأة في الأعوام المقبلة، وإن كان السوق قد ازدهر بعد العام 2005، وتحديداً بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فصار لهذه اللافتات آباء شرعيّون من أحزاب أو متزلفين لها ولقادتها.

بعد العام 2005، وضعت «14 آذار» ثقلها في مسألة اللافتات التي سرعان ما تحوّلت إلى «فخر الصناعة الوطنية»: مؤسسات الإعلانات حوّلت أنظارها من المؤسسات الصناعيّة إلى الأحزاب السياسيّة لإنتاج أفكار تسويقية، مع اللعب على الكلمات والتركيز على دور الألوان والعبارات في التأثير بالجماهير.

عندما قرّرت «14 آذار» البدء بحملة «نحبّ الحياة» باللونين الأحمر والأبيض، سرعان ما استدرجت «8 آذار» وتحديدا «حزب الله» إلى حملة شعارات مضادة انتشرت في المناطق اللبنانيّة: «نحبّ الحياة.. بكرامة».. «نحبّ الحياة.. بحريّة».

في هذه المرحلة، صار للبنانيين «أصدقاء رحلة»، من أي منطقة ستأتي منها إلى العاصمة، سيرافقك فيها الزعماء بـ «ابتسامات هوليوودية» أو بـ «نظرة لئيمة».

بدأ الأمر مع «تيّار المستقبل» بـ «الحقيقة» وصور «الرئيس الشهيد»، لتستكمل مع «اللافتات الزرقاء» وصور الرئيس سعد الحريري، وصولاً إلى أبرز شعار انتخابي بعد «زيّ ما هييّ»: «والسما زرقا».

ونظراً لابتعاد رئيس «التيّار» لفترة طويلة عن لبنان، فإن لافتات مناصريه كثيراً ما تركّز على توقهم لرؤية زعيمهم بعد غياب طويل، وأهمّها على الإطلاق: «اشتقنالك». فيما غزت الشوارع حينما عاد إلى بيروت: «نوّرت».. «أهلا بهالطلة». «أهلا بالحبيب ابن الحبيب».

وفي الشمال، لم يعد «الطرابلسيّون» يكتفون بالصور واللافتات ذات الأمتار القليلة، إذ إنّ الصور تمتدّ «على مدّ عينك والنظر». صور الحريري الأب والابن والرئيس نجيب ميقاتي والوزير أشرف ريفي والنائب محمد كبارة.. تتسلّق المباني والمؤسّسات الخاصة. من يمرّ من باب التبانة، يمكنه أن يضيع في حجم الصور الموزّعة كـ «الغسيل المنشور» على الشرفات. لا لون موحّداً ولا زعيم أوحد هنا، الكلّ له حصّته. فيما اللافتات لها أكثر من «إم صبي»، وربّما يكون أشهرهم في طرابلس: «ابن البلد» المتخصّص برفع الإعلانات الموالية لـ «المستقبليين».

بري يرافقنا من الجنوب إلى بيروت

أما في دوّار النبطيّة ـــ كفررمان مثلاً فلم يعد دواراً عادياً، أو على الأقلّ لا يمكن للمارين أن يشاهدوا جدراناً اسمنتية، جلّ ما يشاهدونه صور وشعارات «متروسة» من اليمين إلى اليسار. نائب العاصمة هاني قبيسي الذي ليس له صورة واحدة في أحياء بيروت، يملك «حصريّة صورة كبرى» عند هذا الدوّار. فيما تتربّع صورة رئيسه على الجهة اليسرى مذيلةً بعبارة: «الاستيذ أجمل كلمة جنوبيّة». ولابن المنطقة، ياسين جابر، حصّته الكبرى أيضاً في أرجاء الجنوب.

ومن الجنوب إلى بيروت، يبقى «الاستاذ» كمن يلوّح لك: في خلدة صورة مقدّمة من أحد «المتخصصين بتعليق اللافتات»، لتخرج من نفق سليم سلام ويعود بري مرحباً بك في العاصمة بيروت.

وإذا كان جميع المتخصصين في رصد ظاهرة اللافتات والصور يُجمعون على أن الكثير من الكتابات التي تذيّل بها اللافتات بعيدة عن الفصاحة والبلاغة، فإنّ هؤلاء يشيرون إلى أن لافتات «أمل» هي «الأهضم» على الإطلاق. وللبعض مخيّلة تسمح لهم تخيّل بري يمرّ في إحدى الطرق ليقرأ: «كيف لا نعشقه وثامن عجائب الكون ضحكته». وهل أراد بري من مناصريه أن يزوروه في المستشفى عندما ألمّت به وعكة صحيّة، أم اكتفى بالضحك عندما كتبوا له على الطرق: «تحرّكت بحصتك فانشلّ لبنان»!

لا يكلّ «عشاق دولته» من اختلاق فضائله، حتى انزعجوا من حرف الهاء في نهاية اسمه التي كاد لولاها أن يكون نبياً.

في المقابل، حافظ «حزب الله» على جديّة شعاراته. سمتها المشتركة: اللون الأصفر أو الأسود في عاشوراء. ما إن يهبط أوّل آتٍ إلى مطار بيروت ويعبر «طريق المطار»، حتى يظنّ نفسه في «عقر دار الحزب» مع صور لأمينه العام وتواقيعه. وهنا، تقصّدت «المقاومة» أن يكون ملعب «شعاراتها المنظمة»، بالإضافة إلى أوتوستراد الجنوب، الذي تتقاسمه مع «أمل». المارّون على طريق الجنوب يعرفون أنّ أوّله لـ «الحزب» ومنتصفه لـ «الحركة»، ثم يستعيد «الحزب» حصتّه. فالجغرافيات والحصص محسوبة بدقة بين الحلفاء.

في الشياح، قد يتنازع هنا الهواء المساحة مع الصور واللافتات المعلقّة والتي تكاد أن تكون براً وجواً. لا مكان لرؤية الحيطان، كما سائر المناطق، فالأولويّة هنا للزعماء.

ببساطة، فإن نزع علم أو لافتة من قبل جهة أخرى يمثّل لــ «المجموعة» اعتداءً صريحاً وواضحاً يتجاوز مسألة نزعه إلى التهديد الوجودي، على اعتبار أن «ثقافة اللافتات» في بلد كثير الولاءات والتنوّع، لا تحتمل أهدافاً كبرى. مهمة «مصادرة مجالنا البصري» هي في الحقيقة التعبير عن الولاء وتماسك المجموعة والتعبير عن الاستمراريّة والكيديّة والنفوذ ومكافآة من فئة غير نخبوية إلى الزعيم الذي سرعان ما يتحوّل إلى «مقدّس».

ولكنّ السؤال: كيف تقبل الأحزاب بسياسات التملّق العابرة للمناطق من قبل «مقدمي اللافتات»؟ ولماذا تتكفّل الأحزاب بتشويه مناطق نفوذها إذا ما كانت هي نفسها تؤكّد أن هذه المنطقة هي بيئتها الحاضنة، وبالتالي، ماذا تقدّم إلى جمهورها الذي يستيقظ وينام على ألوانها وشعاراتها؟ ولماذا لا تنفق الأحزاب نفسها على مناطقها الفقيرة بدلاً من زرعها بالصور التي لا تقدّم ولا تؤخّر!

اللافتة بـ100 ألف لا غير

«ثقافة الأزقة»، كما يروق للبعض أن يسميها، لم تزدهر بفعل الانتماءات الحزبيّة والسياسية، فحسب، وإنّما ساهم بها عصر التطوّر في السنوات الماضية، كان يستوجب على أي مساهم بهذه الشعارات أن يتوجّه إلى الخطّاط الذي يستغرق ساعات طويلة لإنجاز عمله. اليوم، انقرضت مهنة «الخطّاط» وحلّت مكانها الكومبيوترات والمطابع.

ببساطة شديدة، يمكن لأي متحمس يودّ أن يعلّق لافتة لزعيمه في أي زقاق أن يفتح محرّك «غوغل» يبحث له عن بورتريه معبّر، ويكتب على ورقة وقلم شعاراً أو جملة لا تتعدّى العشر كلمات. ثم يتوجّه إلى مطبعة متخصّصة لتكون اللافتات جاهزة خلال 24 ساعة، بكلفة 50 ألف ليرة على كلّ لافتة قياس مترين ونصف المتر (أسعار تشجيعيّة لمحبي طباعة اللافتات بالجملة)، بالإضافة إلى 50 ألفاً لشباب متخصصين في رفعها.

ولكنّ ليس في أي مكان يمكن رفع هذه اللافتات والصور، إذ إن «أرباب العمل» لهم استراتيجيّة في «نشر الصور» من دون الالتفات كثيراً عند أمر الأملاك العامة أو الخاصة بغيرهم: مداخل ومخارج الأنفاق والطرق لها «حيثيّة هامّة»، فيما الاستراتيجيّة الأذكى هي تعليق اللافتات عند الشوارع التي «تتسم» بزحمة السير نهاراً وعند «المستديرات»، حتى يمكن للأكثرية رؤيتها. هذه واحدة من سياسيات وجيه الدامرجي أحد «كبار» مقدمي اللافتات، الذي يتنزّه ليلاً حتى يجد «مكاناً فارغاً» للافتاته المنتشرة في كلّ بيروت.

كان الدامرجي وزملاؤه ينتظرون انخفاض أسعار اللافتات بعد انخفاض سعر النفط، إلا أن حوار «المستقبل» ـــ «حزب الله» قد جعل من أحلامهم تذهب سدىً!

ثقافة اللافتات يجب أن تلحظ الحيزين الخاص والعام. في الخاص، يجب أن ينال رافع اللافتة موافقة صاحب الملك الخاص شرفة أو جدارا أو واجهة. في العام، يجب ألا تخرج اللافتات والصور عن حدود القانون (اللوحات الرسمية).

المشنوق ينظّم «الإعلانات»

أكد وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق أنه عمل منذ توليه الوزارة على إقرار المرسوم الرقم 1302 المتعلق بتنظيم الاعلانات والترخيص لها، بما يراعي التوازن بين المصالح المشروعة لأصحاب اللوحات الاعلانية والحفاظ على طابع المدن اللبنانية والبيئة للاعلانات الطرقية من جهة أخرى.

وأشار، عقب اجتماعه مع نقابة أصحاب شركات الاعلانات وتجمع اصحاب شركات الاعلانات في مكتبه في الوزارة في حضور بعض محافظي المناطق، إلى أن «المرسوم الجديد يتعلق بنحو 14 ألف وجه اعلاني تتولى تشغيلها 80 شركة، بين كبيرة وصغيرة، ويراعي الحداثة في تطوير القطاع».