IMLebanon

«داعش» يعود بأكبر تفجير انتحاري: نستطيع خرقكم

عامٌ و5 أشهر كاملة، عاش خلالها لبنان على حافة الهاوية، ولكن من دون أن ترى بيروت وتحديداً ضاحيتها الجنوبيّة، لا سيارات مفخّخة ولا انتحاريين.

عامٌ و5 أشهر، والأجهزة الأمنيّة تنفّذ إجراءاتها الاستباقية من خلال تشديد الإجراءات الأمنية وتنفيذ مداهمات في عدد من الأماكن والمناطق وإلقاء القبض على العديد من القيادات المنتمية إلى التنظيمات الإرهابيّة الثلاثة العاملة على الأراضي اللبنانيّة: «داعش» و «جبهة النصرة» و «كتائب عبد الله عزام».

الرأس المدبّر لمعظم التفجيرات التي حصلت في الضاحية صار وراء القضبان، يشكو عزلته في سجن الريحانية. فيما يواجه عناصر «كتائب شهداء القسطل»، التي كشفت علاقتها بانفجارين وقعا في الضاحية منذ أيّام قليلة، المصير نفسه. بينما خسر «داعش» و «جبهة النصرة» الكثير من قيادييهما: المنذر الحسن موزّع الأحزمة الناسفة وأسامة منصور قتلا على أيدي قوى الأمن الداخلي. أحمد سليم ميقاتي أضحى جار نعيم عباس في الريحانيّة. الرؤوس الكبيرة التي ذاع صيتها بعالم الإرهاب قتلت أو هاربة: عمر الأطرش، سامي الأطرش، نبيل سكاف، ماجد الماجد، محمّد الإيعالي، وغيرهم..

بالأمس، عادت الأمور لتنقلب رأساً على عقب: «داعش» عاد إلى ساحة لبنان «الجهاديّة» وبسيناريو هو الأوّل من نوعه. اختارت القيادة ثلاثة انتحاريين ليظهروا حجم القوة التي تملكها في لبنان وسهولة تحرّكهم في الضاحية الجنوبية. قال «داعش» ما يريد: «نستطيع الاختراق»، في حين لعب على الوتر الطائفي ـ المناطقي وحاول دقّ الإسفين بين برج البراجنة ومخيّمها. هذه المرة لم يكن بين الانتحاريين من يحمل الهويّة اللبنانيّة بل تقصّدت أن يكون اثنان من منفّذي التفجير فلسطينيين.

ثلاثة انتحاريين دخلوا إلى واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً في عين السكّة في الضاحية. ارتدوا ثياباً شتوية لتخبئة الأحزمة الناسفة التي زنروا أنفسهم بها. حلقوا ذقونهم حتى لا يثيروا الريبة واخترقوا صفوف المواطنين الداخلين إلى «حسينيّة الإمام الحسين».

دوّى التفجير الأوّل في دراجة ناريّة، هرع المواطنون. وما هي إلا خمس دقائق حتى دوى الانفجار الأقوى. ودقائق أخرى، كان في المكان إرهابي ينتظر دوره للضغط على الكبسة. لكنه قتل.. وربما كان هناك غيره وتمكن من الفرار.

ثلاثة أشخاص فقط أرادوا الموت لان هناك من أقنعهم أنّهم سيدخلون الجنّة على جثّث 43 شهيدا وبدماء مئات الجرحى.

هكذا قرّر الثلاثة أن تكون المجزرة، وأن يسجّل تفجير الأمس أعلى حصيلة من بين كلّ التفجيرات التي حصلت في لبنان في السنوات الأخيرة: 43 شهيداً و239 جريحا (وفق إحصاء وزارة الصحّة حتى ساعة متأخرة من ليل أمس) فيما العدد مرشّح للارتفاع بعد إشارة «الهيئة الصحية الإسلامية» إلى أن بعض الجرحى حالتهم حرجة. وبالتالي، صارت الحصيلة أقرب لتكون من حصيلة الانفجارين المزدوجين اللذين وقعا في طرابلس في 23 آب 2014 (مسجدا التقوى والسّلام) وخلّفا 47 شهيداً.

وهكذا قرّر الثلاثة أن يكون الشهداء أرقاماً لم تعرف هوياتهم الكاملة حتى الليل. وأن يبحث الأهالي ممن فقدوا أقاربهم في الغرف وعلى الأسرّة.. وحتى داخل البرادات عمّن أضاعوهم. وأن يكون السؤال: «أي انفجار كان الأكبر من حيث عدد الشهداء؟».

نعيم عباس يفتتح «الموسم»!

«حتماً، إنّه الانفجار الأكبر».. هكذا كانت النتيجة منذ أن حوّلت المنظّمات الإرهابيّة لبنان إلى «أرض جهاد» بأوّل تفجير وقع في منطقة بئر العبد في 9 تمّوز 2013. كانت أصابع نعيم عباس خلفه: أوّل من افتتح «موسم الانفجارات». سرق الرّجل سيارة «كيا» بقوة السّلاح عن طريق خلدة، ثم تسلّم 35 كغ من المتفجّرات من عمر صالح. سلّم «أبو فاروق» (من مجدل عنجر) «البضاعة» إلى عباس الذي قاد السيّارة نحو طريق خلدة ـ الناعمة البحريّة. استفاد الرّجل، ذو السيرة الطويلة في عالم الإرهاب، من هدوء المنطقة ليلاً وعمل على تفخيخ السيارة.

ساعات قليلة، وكان نعيم عباس يخرج من منزله ويتوجّه سريعاً إلى بئر العبد. ركن السيارة ثم عاد أدراجه، مخلّفاً 58 جريحاً.

لم تقتنع «كتائب شهداء القسطل» بزعامة السوريّ فراس القاسم الملقّب بـ «أبو جعفر القسطلي» والقريبة من «جبهة النصرة» ألّا يكون لها حضور على السّاحة اللبنانية. سريعاً، أصدر القائد الحقيقي للمجموعة والقاطن في السّعوديّة حسين العتر أمره العسكري: اشتروا سيارة وفخخوها.

أيّام قليلة وكانت السيارة من نوع «بي أم دبليو 735» التي فخّخت بـ60 كلغ من المتفجّرات موضوعة على جانب الطريق في الرويس. النتيجة كانت سقوط 20 شهيداً و200 جريح في واحد من أكبر التفجيرات الإرهابيّة.

.. و«الكتائب» تدخل على الخط

وبين عبوة بئر العبد التي زرعت في مرأب «التعاون الإسلامي» بيد عناصر «كتائب شهداء القسطل» أنفسهم وتفجيري طرابلس، انتقلت «كتائب عبدالله عزام» في 19 تشرين الثاني 2013 إلى «الأهداف الاستراتيجيّة»: السفارة الإيرانية، بسيناريو يحوّل السفارة الواقعة في بئر حسن إلى رماد وحجر لولا تدخّل أحد المسؤولين عن أمنها، الذي صدّ الانتحاري الثاني من دون أن يستطيع إحباط التفجير.

وبتغيير الأهداف، غيّرت «الكتائب» أيضاً أدوات التنفيذ ليكون عبر انتحاريين انغماسيين: يهاجمان السفارة ويقتحمانها ثم يعمدان إلى كبس زرّ التفجير. ولم تكتفِ «الكتائب» بذلك، بل رمت أوراق قوتها بوجوه تحمل الطابع المحلي: انتحاري لبناني من صيدا هو معين أبو ضهر ولبناني آخر يتبنى التفجير هو الفار سراج الدين زريقات. فيما أتت الحصيلة أقلّ ممّا خطّطت له الكتائب الإرهابيّة: 23 شهداً و150 جريحاً.

صار لبنان فعلاً في قلب الجبهة، في قلب الإرهاب. المشاهد التي كان اللبنانيون يرونها في أفغانستان ثم العراق فسوريا، تحوّلت إلى مشهدٍ يكاد يكون أسبوعيا في بيروت. الانتحاريون الذين كانوا يرونهم بملامح غريبة ولكنة مختلفة صاروا يتحدّثون اللكنة اللبنانيّة أيضاً ويتنقلون بيننا.

وبنفس عقليّة «الأهداف الاستراتيجيّة» سقط محمّد شطح شهيداً على باب بيت الوسط. وبين السياسة والأمن اختلط الحابل بالنابل.

«داعش» يشارك رسمياً

في هذه الفترة تحديداً، دخل تنظيم «داعش» للمرّة الأولى إلى الأراضي اللبنانيّة رسمياً ومن دون وكيل افتراضي للتبني: اقتنص التنظيم الإرهابي فرصة وجود فلسطيني له باع طويل في التفجيرات ويعرف الضاحية الجنوبية عن ظهر قلب، ليجتمع نعيم عباس بالقيادي في «داعش» أبو عبدالله العراقي. وضع الرجلان أيديهما ببعض واتفقا أن يكونا شركاء، فكان قتيبة الصاطم هو «العربون».

انتظر «المرشد» الانتحاري عند أحد مساجد العاصمة. قاد عباس سيارته من نوع «بيجو» وقتيبة على يمينه، انطلقا نحو الضاحية وأرشده إلى المكتب السياسي لـ «حزب الله» في حارة حريك. أعاد عباس الأمر أكثر من مرة، إلى أن جاء عمر الأطرش بالسيارة المفخّخة بأكثر من 100 كغ من المتفجّرات من البقاع إلى بيروت ليسلمها إلى «وكيل داعش» الذي كانت تعليماته كما لو أنّها لم تكن. ارتبك الصاطم فضلّ الطريق ولم يصل إلى المكتب السياسي. ومع ذلك، كانت نتيجة انفجار حارة حريك الذي وقع في 2 كانون الثاني 2014: 6 شهداء و75 جريحاً وخبراً لـ «داعش» يزفّ فيه الصاطم «شهيداً».

وبرغم فشل نعيم عباس في استهداف المكتب السياسي لـ«حزب الله»، إلا أنّ صيت «إنجازاته» وصل إلى «جبهة النصرة» التي حاولت استمالته لاستهداف الموقع نفسه. اجتمع «الرأس المدبّر» بأمير «النصرة» في القلمون أبو مالك التلي واتفقا على التفاصيل. في 21 كانون الثاني قاد الانتحاري السوري الملقّب بـ «أبو حسن» السيارة المفخّخة من نوع «كيا سبورتاج» إلى الشارع العريض ليوقع 5 شهداء وجرح 48 وتتبنى «النصرة» الانفجار.

أعاد نعيم عباس الكرّة، وإن غيّر هذه المرّة وجهته. الهدف في 3 شباط كان: مبنى «قناة المنار». وقف الرجل عند جسر خلدة يراقب الانتحاري الانغماسي (سوري) المزنّر بحزام ناسف ويخبئ سلاحه، يستقل سيارة أجرة التي شكّ فيه صاحبها، ليعود ويستقلّ حافلة صغيرة للركاب. المهمّة فشلت من جديد، إذ أن ملامح الانتحاري أثارت ريبة سائق الحافلة، ليقوم ويفجّر نفسه داخل الحافلة عند مدخل مدينة الشويفات وقبل وصوله إلى الضاحية.

وبهذه المهّمة ختم عباس سجلّه الأسود، ليتمّ القبض عليه فجر 12 شباط وقبل ساعات قليلة من تنفيذ مخطّطه «الثلاثي الأبعاد» عبر أكثر من تفجير في الضاحية ثمّ رمي الصواريخ على المنطقة المستهدفة.

أراح خبر اعتقاله الساحة اللبنانيّة من «وكيل المتفجرات» عليها، وليسبقه إلى السّجن قبله زميله زعيم «عبدالله عزام» ماجد الماجد الذي سرعان ما فارق الحياة.

في هذا الوقت، كانت «كتائب عبدالله عزّام» تحضّر لعمليتها التالية. لم تملّ من استهداف إيران وفشلها في العمليّة الأولى، بل أعادت الكرّة ومن دون أن تغيّر بخطّتها قيد أنملة: انتحاريان (أحدهما فلسطيني) في سيارتين الأولى من نوع «بي. أم. دبليو اكس 5» محمّلة بـ90 كغ من المتفجّرات وأخرى مرسيدس مفخّخة بـ70 كغ.

هذه المرّة لم يظهر الشيخ اللبناني زريقات. اكتفت «الكتائب» بتغريدة على «تويتر» بعد وقوع انفجار المستشارية الثقافية الإيرانية في 19 شباط 2014 مخلّفاً 6 شهداء وجرح 129 شخصاً، ليكون أوّل انفجار بعد تشكيل حكومة الرئيس تمّام سلام.

هكذا غابت «الكتائب» عن لبنان إثر وفاة زعيمها، إلى أن عادت في 23 حزيران 2014 ليقوم انتحاري بمحاولة لاقتحام الشياح (كما تردّد في حينه) من خلال الانتحاري الذي قاد سيارة «المرسيدس» بعكس السير ما أثار ريبة العنصر في الأمن العام عبد الكريم حدرج الذي قرّر أن يفتدي المنطقة بحياته.

هذا كان التفجير الذي حصل في بيروت برغم العمليات التي دوّت في أكثر من منطقة لبنانيّة (مواكب لحزب الله في البقاع ـ ضهر البيدر ـ عرسال.. ). بالطبع، لم توقف التنظيمات الإرهابيّة خططها. وهذا ما كشفته المهمة التي نفذتها قوة من المديرية العامة للأمن العام إلى «دي روي» (القبض على انتحاريّ سعودي بعد أن فجّر آخر نفسه في 25 حزيران 2014) ثم القبض على فرنسي في فندق «نابليون»، بأن «داعش» كان يحضّر لتفجير أكبر: استهداف مطعم «الساحة» وخلال ساعات الذروة لتخلّف أكبر عدد من الضحايا.

في النتيجة، حاولت القوى الأمنية مجتمعةً أن تستفيد من المعلومات الآتية من خارج الحدود ومن «سقف الأمان» الذي وضعته الدول العربية والأجنبيّة للمحافظة على الحدّ الأدنى من الاستقرار في لبنان. نجحت هذه القوى وجنّبت لبنان الكثير من المجازر، ولكنّ يبدو أيضاً أن التنظيمات الإرهابيّة تنتظر فرصة من غيمة حتى تنقضّ على ما استطاعت من أرواح.