IMLebanon

الضنيّة و«المستقبل»: حبّ من طرف واحد!

 

«الضنيّة الخضراء ترحّب بكم»، خُطّت على لوحة رفعها اتحاد بلديات الضنيّة للترحيب بزائري القضاء الذي يضم نحو 51 بلدة. بعد اللوحة تتغيّر ملامح المنطقة المزدحمة بالمحالّ التجاريّة والكثافة السكانيّة إلى بقعٍ سكنيّة أقل كثافة من شوارع طرابلس والمنية. صور النائب جهاد الصمد التي كُتب عليها «لا تحمل يدي إلا الخير لبلدي» تغزو الشوارع، ولا ينافسها إلا لافتات «حجّ مبرور وسعي مشكور»، وإن «تنغّصها» صور سمير وستريدا جعجع المرفوعة بالقرب من ساحة عاصون.

 

صعوداً إلى سير الضنيّة، الغلبة لإعلانات الشقق المفروشة والفنادق والمطاعم والملاحم. هنا مصيف الشمال الأشهر. مع ذلك، لا يُشبه أياً من الصور النمطيّة للمصايف اللبنانيّة: طرقاتٌ فرعيّة مملوءة بالحفر بالكاد تتّسع لسيارة واحدة، ومكبّات نفايات في كلّ بلدة يتصاعد منها الدّخان حتّى تخالها من «معالم» المنطقة.

«جنّة الشمال» بالكاد تضمّ بعض المطاعم والفنادق، رغم كثرة الإعلانات. يتحسّر رئيس اتحاد بلديات الضنيّة محمّد سعديّة وهو يعود سنوات إلى الوراء، إلى ما قبل الحرب الأهليّة عندما كان في القضاء «أكثر من 1600 مطعم و20 ملهى ليلياً فيما اليوم بالكاد يضم 10 مطاعم».

 

نحو 70% من أهالي الضنيّة يعتاشون على زراعة الخُضر والفواكه (50% بشكلٍ كامل و20% جزئياً) وصولاً إلى الجرود أيضاً، وتحديداً جرد النجاص الذي يُعد أعلى منطقة مأهولة صيفاً في المنطقة. يخفّف تدفق أموال المغتربين قليلاً من أثر الأزمة الاقتصادية مع وجود كثيرين منهم في أستراليا منذ ما قبل الحرب.

يؤكد أبناء المنطقة أنّ بعض التحسينات في السنوات الماضية غيّرت المنطقة نحو الأفضل، كالأوتوستراد الذي «ناضل» من أجله جهاد الصمد وعارضه النائب السابق أحمد فتفت، والذي يربط وسط الضنيّة من بلدة بخعون بقرى وبلدات الجرد الشرقي للقضاء حيث يعيش نحو 40% من سكّان المنطقة، بعدما كان هؤلاء يعلقون في قراهم من جرّاء الثلج شتاء، بالإضافة إلى مشقّة الطريق الفاصلة بينهما. الأوتوستراد الذي يربط الضنيّة بالهرمل «إنجاز» آخر للرئيس سعد الحريري، إلا أنه غير مكتمل في 4 كيلومترات منه بسبب خلافات على الاستملاك. بالنسبة إلى كثيرين من «الضناوية»، الأوتوستراد لم يعد بفائدة عليهم بقدر فائدته لأبناء مناطق بعلبك – الهرمل، لجهة تصريف زراعاتهم في المنطقة، فيما كان الأجدى إنشاء أوتوستراد يربط الضنيّة بالمنية وطرابلس وزغرتا. بالنسبة إليهم، طرابلس هي المركز الاقتصادي والتعليمي والصحي والمقر السكني الشتوي للكثيرين. أمّا صلة الوصل مع عكّار التي تتربّع الضنية على كتفها، فهي «عبّارة حديد» تمر من فوق نهر البارد، بعدما تم تلزيم الجسر لأكثر من 3 مرّات لمتعهّدين. قبض هؤلاء المال وبقيت العبّارة مكانها.

 

يشي مشهد الطرقات المرقّعة بالإهمال الطاغي، تماماً كمياه الشفة الغائبة عن منازل قرى القضاء في منطقة يُطلق عليها «خزان مياه الشرق الأوسط» لوجود نحو 365 نبع مياه ونهراً، بالإضافة إلى العيون الطبيعيّة. يلفت سعديّة إلى تلوّث ينابيع كثيرة جراء وجود مكبات للنفايات بالقرب منها أو تسرّب مياه شبكات الصرف الصحي، إن وُجدت الشبكات أساساً.

في القضاء الذي تبلغ مساحته أكثر من 350 كيلومتراً، لا جامعات ولا مستشفيات تُقدّم خدمات صحيّة حقيقيّة. «قدر» أبناء المنطقة أن يُعلّموا أولادهم في طرابلس أو بيروت، فيما «الموت على الطرقات صار عادة»، إذ إن أقرب مستشفى يقع على مسافة أكثر من 40 دقيقة في الطريق إلى طرابلس أو زغرتا.

 

«فيتو» من المنظّمات الدولية

يُقلّب رئيس اتحاد البلديات «مواجعه» وهو يتذكّر عدد المشاريع التي تقدّم بها إلى المنظّمات غير الحكومية ورُفضت، وتلك التي أُعطيت موافقة عليها قبل أن يتم التراجع عنها. يعتقد سعديّة أنّ هناك «فيتو» على القضاء، لافتاً إلى أنّ بعض المشاريع تتم إحالتها إلى مناطق أُخرى «مختلفة طائفياً». وإلى «الفيتو الدولي»، يشير إلى «فيتو سياسي»، ملمّحاً إلى أن تيار المستقبل عارض إنشاء مقر لاتحاد البلديّات حوّله سعديّة في ما بعد إلى «مجمّع» يضمّ مركزاً طبياً (للطوارئ) وتعليمياً وتأهيلياً وتدريبياً ودينياً (مركزاً للمحكمة الشرعية). البازارات السياسيّة والمناكفات حرمت القضاء مكباً صحياً مموّلاً من إحدى الشركات عام 2018 لتشغيل محرقة دير عمار، فصار في كل بلدة مكب عشوائي، «نار وشاعلة ليلَ نهارَ» بين المباني السكنيّة.

 

 

«لم يبادلنا الحريري الحبّ»

رغم شحّ المشاريع، تبقى لـ«المستقبل» بصماته في القضاء، ولا سيّما في البنى التحتيّة من طرقات وتمديدات لمياه الشفة. ولكن، رغم أن الخزّان البشري لتيّار المستقبل «حريري حتّى النخاع»، إلا أن العلاقة مع التيار الأزرق كانت «حباً من طرفٍ واحد»، كما يصفها بعض أبناء الضنيّة، إذ لم يبادل الرئيسان رفيق الحريري وسعد الحريري الحب بالمشاريع التي تحتاج إليها المنطقة. ولذلك، لم يؤثّر عليهم كثيراً غياب الأخير الذي لم يكن حاضراً بينهم أساساً، وآثر تسليم شؤون المنطقة إلى النائب السابق أحمد فتفت الذي يأخذ عليه «الضناوية» شحّ خدماته وانشغاله بالسياسة. في المقابل، سخّر النائب جهاد الصمد علاقاته الرسميّة خدماتياً وكان «يداوم» في الإدارات الرسميّة. لكنّ «انحلال» الدولة بعد الأزمة الاقتصاديّة أضعف من قدرات «أبو جمال»، أو «أبو الفقير كما يسمّون الصمد، خصوصاً أنّه لا يملك ثروةً شخصيّة، وهم يتناقلون أنّ حملته الانتخابيّة الأخيرة موّلها «أجاويد» من المغتربين، مستذكرين أنّ النساء كنّ يبعن مصاغهن لدعم والده مرشد الصمد.

 

لم يؤثّر غياب الحريري على «الضناوية» كثيراً إذ لم يكن حاضراً بينهم أساساً

 

 

أما «الصمد الثاني»، عبد العزيز، فيبدو غائباً تماماً. يقول أبناء المنطقة إنّه «كبّ مالاً» قبل الانتخابات، وانقطع عن ذلك بعد وصوله إلى البرلمان مبقياً على بعض الخدمات الشحيحة للمحسوبين عليه. وهم يحسدون المنية المجاورة على نائبها أحمد الخير الذي فاز «ستروبيا»، وتحوّل إلى «جيلبرت زوين الضنية» في الخدمات. غياب عبد العزيز الصمد يعوّضه بعض الشيء النائب فيصل كرامي الذي يعدّ بقاعصفرين بلدته الثانية، كوْنها مصيف آل كرامي منذ عهد الرئيس عبد الحميد كرامي. لذلك، يبدو الارتباط العاطفي والسياسي بين أبناء المنطقة و«الأفندي» طبيعياً. ولا تزال تتردّد على ألسن أهالي الضنيّة كلمات الرئيس عمر كرامي: «لو خيّروني بين بقاع الأرض وبقاعصفرين، لاخترتُ بقاعصفرين».

 

«حزب العائلة»

تطغى العشائريّة والعائليّة على قرى وبلدات الضنيّة. يقول أحد مخاتير المنطقة إنّ نسبة قليلة جداً من المشاكل التي تحصل تصل إلى المخافر، إذ غالباً ما تُحلّ بـ«مصالحات عشائريّة». لذلك، تقلّ في المنطقة أعداد المنظّمين في الأحزاب السياسيّة. القضاء الذي يمتلك حدوداً مع عكّار والهرمل وبشري، عاش بسلام حتّى خلال الحرب الأهلية، ويصف أهله أنفسهم بأنهم «عاطفيون أكثر منهم عقائديين». لذلك، تغيب المعارك السياسيّة عن الانتخابات البلديّة مثلاً، كما تبدو العلاقة بين الخصوم السياسيين طبيعيّة. هنا، يجتمع أحمد فتفت وجهاد الصمد في المصالحات والمناسبات بشكلٍ طبيعي.

 

 

«خارج الخريطة السياحيّة»

ضربت الأزمة الاقتصاديّة الضنيّة بعنف. مصيفها (سير وبقاعصفرين) كان يضم أكثر من 16 ألفاً و500 منزل (بينها منازل لخليجيين) يشغلها مصطافون سنوياً، بحسب إحصاءات اتحاد البلديات، باتت اليوم فارغة أو يسكنها سوريون (نحو 70 ألف نازح سوري في القضاء). ويشير رئيس رابطة مخاتير الضنية، مختار بقاعصفرين عمّار صبره إلى أنّ معظم المصطافين المعتادين أو أبناء الضنية الذين يسكنون خارجها، صاروا يشكون من ارتفاع أسعار المحروقات، ما قلّل من زياراتهم للمنطقة رغم امتلاكهم منازل فيها.

في المقابل، يلفت سعدية إلى «أنّنا خارج الخريطة السياحيّة» حتّى منذ ما قبل الأزمة الاقتصادية، إذ إن الدولة لم تول اهتماماً للمنطقة وحرمتها من البنى التحتيّة وإنشاء المحميات الطبيعيّة. يشير إلى أن «أكبر غابة أرز تقع ضمن الضنية، وكذلك أكبر محميّة للزاب»، فيما رفضت الدولة اعتبارها محميّات طبيعية رغم وجود نائبين من المنطقة في اللجان النيابية، حماية للزبائنيّة السياسية عبر «حماية أصحاب الكسارات فيها»!

وحده محمّد عبد الجواد فتفت قرّر المغامرة بعدما انتقل من مجال عمله في البناء إلى افتتاح المراكز السياحيّة في «بلدةٍ صغيرة مغمورة إعلامياً»، ليبدأ بفندق «قصر الأمراء» ثم بافتتاح إحدى أهم المغارات في المنطقة التي تتضمّن «تلفريك الضنية»، إلى المشاركة في مشروع في «أعالي الجبال» وتحديداً عند قمّة جبل الأربعين في بقاعصفرين.

 

الآتون من خارج المنطقة يقصدون هذا المشروع تحديداً الذي اشتهر منذ افتتاحه عام 2019، ويقول فتفت: «إنّنا مستمرون في تطوير المشروع لتقديم 35 خدمة سياحيّة من «مرجوحة، مطعم في طائرة في الهواء، تلسكوب، جسر وقطار معلقين.. والكثير من الأفكار التي نستنسخها من الدول الأجنبية لتجعل من المنطقة مقصداً جاذباً».

ومع ذلك، يلفت فتفت إلى العقبات التي أخّرت إنهاء المشروع بعدما انسحب منه بعض الشركاء العرب، والاكتفاء بالشركاء المحليين.

 

من ملف : بشرّي – الضنية: حرمان متوازن