IMLebanon

انتخابات رئاسة الجمهورية هل تتقدّم الانتخابات النيابية؟

   

 

مع ان لكل منهما مهلة منفصلة عن الاخرى، الا ان توقيتهما المتقارب جعل تداخلهما حتمياً. الانتخابات النيابية، في الزمن، تسبق الانتخابات الرئاسية. لكن حسابات السياسة وموازين القوى تفرض أحياناً قلب الاولويات، دونما انتظار إذْن من الدستور او القانون

 

تعذّر الحوار الوطني الذي دعا اليه رئيس الجمهورية، فأوصدت فكرة تسوية ما – وإن صغيرة موقتة – تسبق الانتخابات النيابية العامة. كذلك يستمر مجلس الوزراء معطلاً لإحكام الحيلولة دون أي فرصة جديدة لتوافق يجنّب الافرقاء الذهاب الى انتخابات في ايار محفوفة بالاخطار والمفاجآت. أخفقت الرسالة التي وجهها «يوم الغضب» الخميس الفائت لاستخدام الاشارات الامنية، وإن بمظاهرها البدائية الساذجة قبل تطويرها، على طريق الاستحقاق. ما يجهر الاطراف به هو اصرارهم على الانتخابات، وما يحجبونه فعلاً هو سبل التخلص منها. ما يُرام كلفة ضئيلة قبل ان يعوز الجميع المعني، بقلق حيال ما ينتظره في ايار، الكلفة الباهظة.

 

ليس غريباً ان الخيار الاخير المفترض ليس دائماً الاخير بالضرورة. احياناً يُبدأ به كحادثة الطيونة، وفي احيان اخرى يُستمهَل متدرّجاً على طريق تعطيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. مع اقتراب موعد انتخابات 15 ايار، تضيق الرهانات والتوقعات. كلما دنت اكثر، تصعب الخيارات الآمنة ويذهب الجميع المعني – ما داموا يلتقون على هدف واحد – الى الخيارات الخطيرة.

لا احد يتوهم في انتخابات 15 ايار انها تشبه ما سبقها، منذ عام 2005 على الاقل. كانت تلك السنة الاولى والمرة الاولى اجرى فيها اللبنانيون بأنفسهم، بلا وصي، انتخابات نيابية عامة، بعدما اعتادوا عليها منذ عام 1992 بين يدي سوريا.

مبعث القلق على الاستحقاق المقبل انه لا يجري في ظل انقسام الاطراف ما بين معسكرين، كقوى 8 و14 آذار، على غرار ما حدث عام 2005، واضطرار الثنائي الشيعي الى ابرام تحالف رباعي مع خصميه الدرزي والسنّي حينذاك، لمنحهما الغالبية النيابية، قبل ان يكتشف رابحوها انها تساوي صفراً ما ان نكثوا بعد وقت قليل على الانتخابات تعهداتهم حيال التحالف الرباعي.

لن تكون أيضاً على صورة انتخابات 2009 التي ابرَزَت فعلاً، غداة اعلان المحكمة الدولية حينذاك، وطأة الصراع على الغالبية النيابية، مع ان المطاف انتهى بها الى الفريق الرابح نفسه قبل اربع سنوات، وهو قوى 14 آذار. مجدداً بَانَ عدم جدوى امتلاك الفريق المناوىء للثنائي الشيعي، في ظل فائض قوته، غالبية نيابية دستورية تساوي بدورها «فالصو» في أوان احتدام الشارع وانقسام السلطة. تلك الغالبية التي اتاحت لقوى 14 آذار ان تحوز اكثرية مماثلة في حكومة 2009، حملها على ان تتحقق بعد 14 شهراً من ان الاقلية اقوى منها بأساً فأسقطت، بالدستور، حكومة غالبية قوى 14 آذار بالثلث+1.

لن تكون انتخابات ايار اخيراً على صورة انتخابات 2018، بأن تحدث في مطلع عهد جديد، وفي ظل تسوية احالت الجميع حلفاء الجميع، بفروق ضئيلة، ومن خلال كتل تساوي احجام مبرمي تسوية 2016. الرابحون الثلاثة كانوا الرئيس ميشال عون على رأس الدولة، والرئيس سعد الحريري على رأس حكومة – او حكومات متتالية – ستعمّر عمر العهد، وحزب الله باطمئنانه الى ظهيرين مسيحي وسنّي يحميان سلاحه ويتغاضيان عن دوره الاقليمي.

 

7 نواب من الحلفاء يخسرهم حزب الله في انتخابات 2022 يفقدونه الغالبية النيابية

 

 

كانت تلك الفرصة النادرة التي توقّع حزب الله ان يصل اليها يوماً، كي يحكم البلاد من خلال حلفائه دونما ان يبدو هو في الصدارة، وان يتيقن هؤلاء الحلفاء ان مواقعهم مصونة لدى الحزب – والاصح لدى الثنائي الشيعي عندما يتقاسم الادوار – في الازمات الداخلية.

لعل مفارقات الدورات الثلاث الماضية من الانتخابات النيابية، ان القاسم المشترك الذي جمع بينها، هو الطعن في الظهر: في الاولى 2005 كان يوم 5 ايار 2008، وفي الثانية 2009 يوم استقال الوزراء الشيعة واسقطوا الحريري وحكومته في 12 كانون الثاني 2011، وفي الثالثة 2018 يوم انهيار الهيكل على رؤوس الجميع بدءاً من 17 تشرين الاول 2017 وتبادلهم جميعاً بلا استثناء الطعنات في الظهر. وقد تكون ابرز علامات الطعنات هذه، ان كلاً من الافرقاء هؤلاء حلفاء الماضي، ومعظمهم معمّرٌ منذ انتخابات 1992 ثم باتوا اسياد انفسهم، يفتقر الى حليف ذي صدقية آمنة موثوق به يخوض معه انتخابات 2022. لم يكن رفض الحوار الوطني سوى واحدة من الاشارات المباشرة، بعضهم الى بعض وليس الى رئيس الجمهورية صاحب الدعوة فحسب، بأن احداً ليس جاهزاً لأن يتنازل وهو على ابواب استحقاقين متتاليين، نيابي ثم اخطر منه رئاسي.

قلق الافرقاء جميعاً، بأحجامهم المتفاوتة الاهمية وشعبياتهم المتباينة والمطعون فيها، يكاد لا يساوي قلق حزب الله الذي يختبر هذه المرة أكثر من امتحان مصيري له، لم يسبق ان ادركه قبلاً. لم يخشَ في انتخابات 2005 من خسارته الغالبية، وكان يملك حينذاك فائضيْ قوة هما سلاح المقاومة في يده، والرئيس اميل لحود على رأس الجمهورية الى يمينه الى سنتين اخريين. في انتخابات 2009 كانت اجريت لسنة خلت انتخابات رئاسة الجمهورية، وحلّ فيها الرئيس ميشال سليمان على انه توافقي من دون ان يكون الحزب جرّبه كفاية حتى ذلك الحين، فتصرّف الرئيس كحليف للحزب، وفي الوقت نفسه هو حليف الحريري في ذروة التسعير السنّي – الشيعي، قبل انقلابه على الاول. اذذاك اختار حزب الله وضع يده على الغالبية النيابية بدءاً من عام 2011 واختبرها، واكتشف انها غير كفيّة بالقدر الذي توقّع ما لم تقترن بظهير كالذي كانه لحود.

عامذاك كان جرس الانذار الاول الى المهمة الجديدة المنوطة بحزب الله خارج لبنان، بدءاً بالحرب السورية، ومن ثم الامتداد الى ما هو ابعد منها. وحدهما الرئيس الظهير والغالبية النيابية المُخضِعة للسلطات والمؤسسات كفيلان بحماية موقعه في الداخل ودوره في الخارج.

ما كان يحتاج اليه حتى عام 2016، هو بالفعل ما حصل عليه حتى السنتين التاليتين: رئيس للجمهورية حليف له وصلب الى جانبه هو عون يذكّر بتجربته بلحود ولا يكرر له حتماً تجربة سليمان بالنسبة اليه على الاقل، وغالبية نيابية بلغت 71 نائباً بفضّ صناديق 2018.

ذلك ما يحتاج اليه حزب الله منفرداً كما كثنائي شيعي: الاحتفاظ بالغالبية النيابية الحالية، والاضطلاع بدور مشابه لما فعله ما بين عامي 2014 و2016 من اجل انتخاب الرئيس الظهير.

ليس عويصاً فهم مصدر القلق: سبعة نواب من الحلفاء يفقدهم حزب الله يخسر من خلالهم الغالبية المطلقة في مجلس النواب، وتربكه على ابواب الاستحقاق الاهم وهو انتخابات الرئاسة. واقع الامر، ان ما يحتاج الى المحافظة عليه، هو هذا الكيس الثمين المسمّى غالبية نيابية، سواء لتعطيل الانتخابات الرئاسية او لدفعها الى التحقق، دونما ان يفتقر الى المرشح الظهير. عشية انتخابات 2016 كان عون الى جانبه، بيد انه افتقر الى الغالبية المطواعة والمنصاعة. كذلك في استحقاق 2022 المرشح الظهير الى جانبه. اما ما يتمسك به حتى الوصول الى الموعد المقبل، فهو الغالبية النيابية.

ربما في هذا السبب يكمن الاعتقاد المتنامي يوماً بعد آخر، لدى الحزب وحلفائه المعلنين والخفيين، في الظاهر قليلاً وفي السر كثيراً، ان انتخابات رئاسة الجمهورية تتقدّم الانتخابات النيابية.