جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
زارت السيناتور في مجلس الشيوخ الأميركي إليسا سلوتكن المنتمية إلى الحزب الديموقراطي، لبنان أخيراً. ولم تحظ هذه الزيارة بالاهتمام الذي نالته زيارات الموفدين توم برّاك، مورغان اورتاغوس المتتالية، وزيارة السيناتور ليندسي غراهام على رأس وفد، وأطلق خلالها تصريحات من العيار الثقيل كعادته، كان لها الصدى السيّئ لأنّها حفلت بكل التعابير الخارجة عن اللياقة وأدبيات التخاطب.
ومن الطبيعي أن ينصبّ التركيز الإعلامي على هؤلاء لأنّهم ينتمون إلى الحزب الجمهوري، ومن الحلقة القريبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. على أنّ السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى قد أصبح مولجاً بالملف اللبناني تجاه إدارته من دون مشاركة أحد، وخصوصاً برّاك وارتاغوس، أو تأثير من غراهام ومن يشايعه من الأميركيين من أصل لبناني، الذين يحاولون بإيحاء من بعض الدوائر الخارجية محاصرة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، وفرض مقاربة مختلفة، غرضها دفع الأمور إلى الصدام الداخلي تحت عنوان «حصر السلاح بيد الدولة».
ويجمع المسؤولون اللبنانيون على اختلافهم، على أنّ السفير عيسى، بسبب معرفته الواسعة بالوضع اللبناني وتعقيداته، وأبعاد النزاعات السياسية بين الأفرقاء السياسيين، وما يُضفى عليه من صبغة طائفية أو مذهبية، يقرأ التطورات بدقّة، ويتفهم سبب تأني الدولة وحذرها وحرصها على الإفادة من عامل الوقت، في سعيها إلى حل موضوع حصر السلاح، من خلال الخطة الخاصة بالمرحلة الجديدة المتصلة بمنطقة شمال الليطاني التي عرضها العماد هيكل أمام مجلس الوزراء في جلسة الاثنين الماضي، التي خطف خلالها موضوع الزيادات الضريبية ورفع سعر صفيحة البنزين الأضواء من أي موضوع آخر مهما بلغت درجة أهميته. وقد دلّت الوقائع في الأيام الماضية، خصوصاً إبان عاصفة السيناتور غراهام الشهيرة أمام قائد الجيش، وتحرّكه السريع لاحتواء تداعيات كلامه القاسي، غير المبرّر، والذي جاء في غير زمانه ومكانه، من خلال إشادته بزيارة العماد هيكل للولايات المتحدة الأميركية ونتائجها. وهو ما أشار إليه الرئيس جوزاف عون خلال استقباله السيناتور سلوتكن في حضور السفير نفسه.
لكن بحسب مراقبين في واشنطن وبيروت، فإنّ زيارة السيناتور ليست أمراً عابراً، ولا بروتوكولية، أو استطلاعية فحسب. ولا شك في أنّ لها غير مغزى ومعنى، متى عُرف انّها نجمة صاعدة في الحزب الديموقراطي، وقد تكون من أصحاب الحظوظ في خوض المعركة الرئاسية المقبلة باسم هذا الحزب. ويتابع هؤلاء، أنّ كلام سلوتكن يتسمّ دوماً بالحكمة ويبتعد عن الحماسة والعفوية و«الهوبرة» التي تطبع سلوك غراهام، و«عنجهية» برّاك وأحكامه المسبقة وتسويقه لوضع لبنان تحت وصاية سوريا ـ الشرع.
وفي رأي هؤلاء المتابعين، أنّ المعرفة والدراية التي تتحصن بهما سلوتكن تعود إلى انّها من ولاية ميشيغان التي تحتضن أعداداً كبيرة من الأميركيين من أصول عربية ولبنانية، وتُحسن التخاطب مع هؤلاء وتعرف حقيقة مشاعرهم، ومعاناتهم، ومدى معاناة أهلهم وأبناء بلدانهم من إسرائيل ومن الإنحياز الأميركي الدائم إلى جانبها. والمعروف أيضاً أنّ هؤلاء يشكّلون عاملاً انتخابياً حاسماً في هذه الولاية التي تحتدم فيها المنافسة بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي. والسيناتور سلوتكن هي ضابط في الاستخبارات ونائب سابق لوزير الدفاع، خبيرة في شؤون الأمن والاستخبارات، وعضو في لجان: الزراعة والتغذية والغابات، القوات المسلحة، الأمن القومي والشؤون الحكومية، إدارة الكوارث الطبيعية، مقاطعة كولومبيا، إحصائيات السكان، المحاربين القدامى، في مجلس الشيوخ. كذلك أمضت فترة طويلة في العراق كخبيرة. إنّ المواقع التي تحتلها سلوتكن والخبرة الطويلة التي تختزن، والطموح الذي يتمكن منها، تجعل من زيارتها للبنان حدثاً غير تفصيلي، على رغم من عدم الإضاءة عليه بما يكفي، خصوصاً انّ زيارتها تزامنت مع حضورها مؤتمر الأمن العالمي الذي عُقد أخيراً في مدينة ميونيخ الألمانية. ربما كانت زيارتها مكرّسة للنظر إلى واقع لبنان الراهن وأزماته بغير «العين الجمهورية»، على رغم من محاولة السفير عيسى التعاطي بموضوعية مع ملف وطنه الام. فمهما كان التجانس في النظرة ضيّقاً بين الحزبين، فإنّ لـ«العين الديموقراطية» نظرة مختلفة وأكثر تمايزاً عن «العين الجمهورية» حيال ما يجري في لبنان. وإذا كان «اللوبي الصهيوني» هو الأشد تأثيراً على قرار الإدارة الأميركية اياً تكن هويتها السياسية، فإنّ تعدد المقاربات والقراءات قد تكون باباً لتنفيس الضغوط ما أمكن عن هذا البلد، الذي يتلقّى الضربات الواحدة تلو الاخرى من دون أن يمتلك القدرة على اتقائها إلّا بالانتظار.