IMLebanon

الفدرالية نظاما للحكم: خيار البائسين

تعاني دول المنطقة العربية الانقسامات والحروب الأهلية والحدود بينها تتبدل، فيما تعيد بعض القوى المسيحية في لبنان طرح الفدرالية، بعدما تحاربت سابقا بسببها. نادى العماد ميشال عون بها من دون أن يكون لها أي أساس جديد، فيما عمل حزب الكتائب على صوغ «مشروع متكامل». القوات اللبنانية وتيار المردة يعدّانها مشروعا خطيرا

«يا شباب، إنّ من يطرح الفدرالية ويكون قادرا على تطبيقها ولا يفعل، فهو خائن. أما من لا يملك امكانية العمل بها، ويطالب بها، فهو مُجرم». هذه كانت خلاصة مُداخلة مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل، خلال خلوة سيدة البير – بقنايا التي عقدتها الجبهة اللبنانية في كانون الثاني من عام 1977. الجميل كان أبرز المعارضين لتبني «الفدرالية كحلّ للمشكلة اللبنانية»، لأن المطالبة بذلك كانت تعني التقسيم. بعد ثلاثة أيام من المفاوضات بين الاحزاب المسيحية، وبحضور الأباتي شربل قسيس، صدر البيان الذي تبنّى «التعددية واحترام المجتمع». يتذكر أحد السياسيين الذين واكبوا طرح القوات اللبنانية لمشروع الفدرالية هذه الحادثة، بعدما عاد حديث «الكانتونات» يعلو في «الشارع المسيحي»، من دون أي تنسيق بين التيار الوطني الحر، الكتائب، القوات وتيار المردة. لم يُعرض أي مشروع على بكركي، كما أنه لا ورقة مُشتركة تُعطي للطرح قيمة اضافية. بدأت القصة حين طرح العماد ميشال عون «الفكرة»، قبل أن يتراجع عنها قائلاً إن «الآخرين» يدفعونه بهذا الاتجاه.

ثمّ تبناها حزب الكتائب في خطاب رئيسه سامي الجميل في الخامس من الجاري، فيما اتفق القوات والمردة على رفضها. في الثمانينات أُخذ على سمير جعجع عدم ايمانه بنهائية الكيان اللبناني وعمله على تقسيمه، الا أن حزبه اليوم يرفع لواء «اتفاق الطائف كنظام للحكم». أما تيار المردة، فقد كان واضحا كلام رئيسه سليمان فرنجية حين تمنى البارحة أن يكون طرح الفدرالية «زلّة لسان من قبل العونيين». وأضاف: «كنا ولا نزال ضد الفدرالية ودفعنا ثمنا لموقفنا».

حُلم «الكانتونات» ليس جديداً «مسيحيا». يقول السياسي إنه منذ الـ 1975 يبحث المسيحيون في «مآسي لبنان الكبير». حتى بالنسبة الى عون «لم يكن بعيداً عن هذا المناخ ولم يُزل الفكرة من باله أبدا». ويُروى أنه بعد عودته إلى باريس من الولايات المتحدة عام 2003، قال أمام أحد الصحافيين إنه «اذا «زبطت» الفدرالية فكل طرف في البلد يأخذ حصته، ويكون حزب الله الحرس الوطني للشيعة». تجدد هذا الخطاب منذ أسبوعين، فرأى أنها «معركته الأخيرة في ما خص النظام. سأل ما الذي نلناه نحن منذ عشرين عاما حتى اليوم؟ مُشددا على أنه «اذا لم نتمكن من تحصيل حقوقنا فلنلجأ الى نظام جديد».

يوضح النائب ابراهيم كنعان لـ«الأخبار» أن التيار «لم يطرح الفدرالية بل هم جرونا الى ذلك. والجنرال طرحها في هذا الاطار. من يُحذر بأن الطائف الى زوال يكون ينادي بالفدرالية؟». يُبرر بأن عون حذر من النهج المُتبع، «نحن منذ البداية ننادي بالشراكة، محورنا الأساسي اصلاح الادارة والمؤسسات». أما المطالبة بتعديل الصلاحيات «فلا تعني الذهاب أبعد من ذلك». بالمبدأ التيار «لا يرفض أي فكرة، ولكن هذا ليس مشروعنا». الا أنه يختم حديثه بالقول: «اذا كانوا لا يريدون الشراكة، فلتكن ادارة ذاتية. أما اذا أرادوا الشراكة، فليُصلحوا الطائف».

أمام الوفود الكتائبية التي أتت تُبارك له نهاية الأسبوع الماضي، تساءل الجميل «ما المانع من اعتماد الاتحادية التي تطبقها دول عديدة لادارة تعدديتها». من المجموعة التي قادها النائب الجميل قبل اكثر من عقد تحت اسم «لبناننا»، انطلقت فكرة «الاتحادية» لتتحول الى مشروع حزب الكتائب. البنود أصبحت جاهزة الا أن السرية تحيط بها «وقد تأجل الاعلان عنها بعدما قدم عون الفكرة بسلبية»، استنادا الى عضو في المكتب السياسي الكتائبي. يقول أحد العاملين في فريق عمل الجميل إن «الفدرالية هي مفتاح الحل». الطرح الكتائبي مبني على «التقسيم الجغرافي لأننا ضد الفرز الطائفي. أخذنا بعين الاعتبار عدم قدرة بعض الأقضية على الحكم الذاتي».

من جهته، يحرص عضو المكتب السياسي الياس حنكش على أن يسمي المشروع «اتحاديا» لا فدرالياً. يؤكد لـ «الأخبار» أن الحزب «لا يتسلى في طرحه، من الممكن أن يكون عون هو الذي هدد بها، ولكن نحن لدينا مشروع، وسامي الجميل حمله». يقول حنكش إن الاتحادية لا تعني التقسيم «نحن متفقون كلبنانيين على أن هذا النظام لم يعد فعالا، الدولة الاتحادية التي تصون الاقليات ستحافظ على خصوصية كل منطقة». يتحفظ على بنود مشروعهم الاتحادي: «التوقيت هو الاهم. لا نريد طرحه والبلد يغلي».

أما في معراب، فيضحك المسؤولون في سرهم: «بعدما عُدنا من الحجّ، يريدون الذهاب». بالنسبة الى أحد النواب القواتيين، الاتحادية والفدرالية وجهان لعملة واحدة، مُستغربا اعادة طرح الفكرة في هذا الظرف من قبل التيار الوطني الحر وحزب الكتائب فـ«الوقت غير مناسب من أجل اعادة النظر في التركيبة اللبنانية، هذا سيُضعف المسيحيين ولن يُقويهم كما يظن ميشال عون وسامي الجميل». لذلك القوات مع «اتفاق الطائف الذي وضعنا أثمانا كثيرة من أجله». لا يوافق النائب على نظرية أن النظام أثبت فشله: «لم يُسمح لنا بتطبيقه حتى نتبين حسناته وسيئاته». خاضت القوات المعارك من أجل مشروعها، الا أنها تعده اليوم «خطيراً على المسيحيين. فتح باب تعديل الدستور سيثير حفيظة الطوائف الأخرى والله أعلم الى أين سيقودنا ذلك». القوات تريد «لبنان الكبير بكل خصائصه وعلاته…. من غير المقبول أن تُصبح اللبنانية فولكلورا وصحن كبة وتبولة. هناك التزام أعمق بكثير».

أما بكركي، فموقفها تاريخيا معارض للفدرالية، «حين أتى الفرنسيون ينصحون البطريرك الياس الحويك بالتخلي عن طرابلس أو عكار رفض. ثم مشكلة المسيحيين مع البطريركين أنطون خريش ونصرالله صفير الذي أيد اتفاق الطائف حول هذه النقطة». منذ أيام سأل أحد السياسيين المطران بولس مطر عن رأيه بالموضوع فكان الجواب: «لماذا نبدأ من الصفر؟ فلنُكمل بما لدينا».

مُشكلة الأحزاب المسيحية بطرحها الفدرالية كانت دائما بآليات التطبيق. لم يتفقوا يوما على صيغة واحدة، كما أنهم لم يتباحثوا مع الشريك الآخر. يتهكم السياسي بأن «المسيحيين حين يكونون في موقع قوة يريدون البلد موحدا، وحين يضعفون يطالبون بالتقسيم… طرحهم خطير. الفدرالية شعار رنان، ولكنه خيار البائسين».