IMLebanon

رئاسيات مجمدة وحكومة بلا «رؤية»

بين شغور موقع رئاسة الجمهورية والحكومة التي لا تجتمع إلا لتوقيع جدول الأعمال الروتيني، تغرق البلاد في مزيد من التشتت والضغط الأمني

تتوافق أكثر من جهة معنية بالنقاش السياسي الجدي، ومطلعة على ما يدور من اتصالات محلية وإقليمية، على أمر واحد، وهو أنه لا كلام حالياً في لبنان، أو خارجه، في موضوع رئاسة الجمهورية. قد تكون معركة عرسال وارتداداتها التي تنذر بتطور أمني خطير، أحد الأسباب الموجبة التي عطّلت الكلام حول الملف الرئاسي. لكن ثمة أسباباً أخرى أكثر حضوراً بعدما بدأت ضربات التحالف العربي والغربي على مواقع «داعش» في سوريا والعراق، لأن هذه الضربات ستدفع القوى المكلفة بصياغة حل للشغور الرئاسي في لبنان، الى الانتظار أكثر كي تتبلور نتائج التحالف الإقليمي ـــ الدولي الجديد، ومعرفة ما سيؤول إليه وضع المنطقة، قبل اتخاذ قرار باختيار اسم الرئيس العتيد.

وهذا التريث الإقليمي والدولي ينعكس انحساراً محلياً في الحديث عن انتخابات رئيس الجمهورية وبورصة المرشحين الى حد الصفر. حتى إن الدفع في اتجاه التئام المجلس النيابي لانتخاب رئيس للجمهورية، لم يعد أولوية عند أي من الأفرقاء المعنيين مباشرة، والذين قدموا الانتخابات النيابية أو التمديد لنوابهم، وسلسلة الرتب والرواتب وسندات اليوروبوند، على هذه الانتخابات بعدما سلموا جدلاً بأن لبنان غائب حالياً عن جدول أعمال عواصم القرار المعنية.

وفيما يستبعد مصدر سياسي مطلع «إمكان إجراء انتخابات رئاسية قبل عام 2015 لأسباب إقليمية ودولية»، يقول أحد الوزراء الفاعلين في فريق الثامن من آذار، «واقعياً، لا أحد في لبنان يتحدث عن انتخابات رئاسة الجمهورية». ويضيف: «لا يبدو في الأفق ما يشير الى تقدم في هذا الملف. واللقاءات التي تعقد في الداخل، مهما كان مستواها، لا تحمل جديداً. البعض اعتقد أن مجرد لقاء وزيري الخارجية السعودي سعود الفيصل والإيراني محمد جواد ظريف سيحل مشكلة الرئاسة. لكن اللقاء حمل عناوين تتصل بالعلاقة بين البلدين وبوضع المنطقة، أكثر مما له علاقة بلبنان».

وفق هذه المسلّمة، التي لا تبشر بانتخاب رئيس للجمهورية في المدى المنظور، كان يفترض بالحكومة أن تدير شؤون البلد، كما كانت الغاية من تأليفها. لكن الحكومة تسير، وفق أحد أعضائها البارزين، «بلا رؤية سياسية واضحة، وبلا تخطيط. تعمل الحكومة كوزراء وليس كفريق عمل».

ولعل الصورة تبدو واضحة حين يقول رئيس الحكومة تمام سلام لصحيفة «الحياة» إن لقاءات وزير الخارجية جبران باسيل مع نظيره السوري وليد المعلم لها علاقة بحسابات الأخير السياسية، وبأنه لم يطلع على لقاءاته. يعمل الوزراء فرادى، حين ينجز وزير المال علي حسن خليل حلاً لسلسلة الرتب والرواتب، ويعمل الوزير وائل أبو فاعور على التفاوض مع أهل العسكريين المخطوفين لفتح الطرق، وحين يذهب وزير الداخلية نهاد المشنوق الى موسكو لشراء سلاح للأجهزة الأمنية التابعة لوزارته، فيما لا تظهر الحكومة كوحدة متكاملة إلا في الصورة.

وإذا كان يشفع للحكومة في الأيام الأخيرة أن رئيسها تمام سلام كان يشارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. إلا أنه ما عدا ذلك، ليس هناك أي مبررات للغياب الحكومي شبه التام، ولو انعقد مجلس الوزراء أسبوعياً، عن مجريات الأحداث الداخلية التي تتطور كل ساعة على خلفية ارتدادات عرسال.

تكمن المفارقة في أن «السبات» الحكومي لم يعد يقلق أحداً ولا يثير بالنسبة الى المشاركين في الحكومة علامات استفهام كبيرة، علماً بأن مرجعيات الوزراء هي التي تدير اللعبة السياسية في البلد. حتى إن بعض المشاركين الأساسيين في الحكومة باتوا يسلمون جدلاً بأن «لا مناقشات حقيقية داخل مجلس الوزراء، إذ تتوقف مناقشة أي ملف حساس داخل الحكومة عند أي وزير، مهما بلغ حجمه التمثيلي، فيصبح قادراً على تعطيل البحث في قضية أمنية أو سياسية، سواء كانت بحجم عرسال أو بحجم التوقيع على هبة مالية. وبمجرد أن يرفض أي وزير مناقشة موضوع ما، ينتقل الوزراء الى مناقشة بند آخر، حتى لا يضطروا الى مواجهة قضية خلافية داخل مجلس الوزراء».

لقاء الفيصلوظريف بحث العلاقة بين بلديهما ووضع المنطقة لا وضع لبنان

حتى الآن، سلمت الحكومة من سلسلة مطبات مرت بها، حتى إنها تجاوزت قطوع عرسال، بكل ما فيه من أخطاء وعثرات يتحمل مسؤوليتها أكثر من طرف، لأن هناك قراراً خارجياً يحكم ببقائها على قيد الحياة. لكن التحدي الكبير الذي تواجهه الحكومة في المدى المنظور يتعلق بالتطورات الأمنية التي باتت تضع الجميع أمام محك مواجهتها.

فبعد فشل الحكومة في تلقّف أزمة العسكريين المخطوفين منذ اللحظة الأولى، وغرقها لاحقاً في وضع آليات التفاوض، كيف ستواجه الحكومة مجتمعة تفاقم أزمة اللاجئين السوريين التي باتت أحد أكبر الأخطار التي يواجهها لبنان؛ من الشمال الى البقاع الشمالي والبقاع الغربي والجنوب، وقد بدأت طلائع الأزمة تنفجر في وجه الجميع. فهل يمكن لملف أمني ومخابراتي بهذه الخطورة أن يبقى في عهدة وزير الشؤون الاجتماعية؟ وهناك أيضاً وضع طرابلس، اذ يتحدث أحد الوزراء عن تقارير مفصلة عن كميات المال والسلاح المنتشر فيها، فضلاً عن احتمال تمدد مقاتلي «داعش» و«النصرة» الى البقاع.

فكيف يمكن لحكومة نائمة أن تكون على مستوى هذه الأخطار؟