IMLebanon

ما يريده الحزب وما يريده التيار: أي حوار قبل الحسم بتناقض الأولويات؟

 

 

سيمر وقت غير قصير حتى نصل إلى نتيجة حول مآل العلاقة الفعلية بين حزب الله والتيار الوطني الحر. وبخلاف ما يعتبره بعض خصوم الطرفين من أن ما حصل مجرد مناورة متفق عليها بينهما لأغراض تخص كل منهما على حدة، إلا أن واقع الحال هو أن هناك مشكلة جدية، وأن الحوار الحقيقي بين الجانبين لم يحصل بصورة كاملة منذ فترة، والتدقيق في كل الحوارات التي جرت بينهما، على كل المستويات، تشير إلى أن كلاماً كثيراً كان يجب أن يقال ولم يقل. أما المراسلات التي تتم لمواكبة التطورات، فإن ما يجري على هامشها من نقاش، لا يتم تسجيله في محضر العلاقات بين الطرفين. بالتالي، فإن الخلاصة التي نحن أمامها اليوم هي أن هناك حالة معقدة قد تطيح الزواج القائم. ربما يذهب الطرفان إلى الهجران لا إلى الطلاق، لكن عندها سنكون أمام مزاجين وأمام مقاربتين، والمشترك على أهميته لا يلغي أنه متى حان الوقت والفرصة لإعلان الطلاق، فهو سيكون قائماً.

 

الصورة لا يجب أن تكون سوداوية عند مقاربة الأمر بقصد العلاج. لكن لا يمكن الركون إلى تجارب سابقة انتهت إلى تسويات لم تغلق الحساب الأصلي. وتوازن القوى بين الطرفين ليس محل نقاش عند أي منهما. فلا حزب الله يتعامل مع التيار كملحق، ولا التيار يتعامى عن حجم الحزب ودوره داخلياً وخارجياً. لكن فكرة أن يعتقد أحدهما بأنه يمسك بورقة تجعله مطمئناً إلى أن الآخر لن يتركه، هي فكرة غير واقعية. ذلك أن البدائل موجودة لدى الطرفين، وإن كانت بدائل الضرورة، ولا تلغي أن أضراراً كبيرة ستلحق بالجانبين متى ذهبا بعيداً في مشكلة تتطلب علاجاً طارئاً.

لنضع جانباً الشامتين أو أولئك الذين يقلبون الأحذية هذه الأيام. يمكن تخيل نبيه بري ونجيب وميقاتي ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية من جهة، كما يمكن تخيل القوات اللبنانية وجماعة السفارة الأميركية واليمين المسيحي الكاره لحزب الله من جهة ثانية. لكن هذا كله لا يهم، لأن الجميع يعرف أن التيار والحزب يشكلان الثنائي الذي لا يزال بمقدوره تسيير أمور البلاد أو تعطيلها. بالتالي، فإن أي محاولة للتفكير بأنه يمكن لأي منهما البحث عن ثنائية جديدة مع طرف ثالث هو تفكير ناقص، لا يأخذ في الاعتبار حقيقة الوضع في لبنان، وما الذي تغير منذ العام 2006.

عملياً، نحن أمام فكرتين في الحوار. واحدة يرفعها التيار الوطني الحر باسم الدور والدولة، وهي تعني عملياً «حقوق المسيحيين»، وثانية يرفعها حزب الله من دون مناورة وهي سلاح المقاومة. وعندما يقترب الحديث من الانتخابات الرئاسية، ستكون لكل منهما مقاربة تستند إلى أولويته. سيعلن جبران باسيل موقفاً من المرشحين للرئاسة بما يتناسب مع فكرة حقوق المسيحيين وموقعه ودوره هو والتيار في هذا المجال. وسينظر حزب الله إلى الأمر من زاوية ارتباطه بالموقف من سلاح المقاومة، والحزب هنا، لا يتحمل – لا يرفض فقط – أن يأتي رئيس لا يكون مضموناً لناحية عدم التعرض للمقاومة. والتباين اليوم حول الملف الرئاسي يكمن في أن الحزب يرشح سليمان فرنجية، ويرى فيه ابناً أصيلاً للمارونية السياسية في لبنان، وابن زعامة مسيحية موجودة بمعزل عن حجمها الشعبي الحالي، وعن شخص له حضوره وامتداده العربي المناسب لخط المقاومة، إلى جانب أنه شخصية لا تغدر بالمقاومة، فيما يرى – وإن كان لا يصرح بذلك علناً – أن المرشحين الآخرين، هم إما على شاكلة ميشال سليمان، على ما كان عليه في آخر ولايته عاملاً في خدمة المحور المعادي للمقاومة، أو رئيساً ضعيفاً يتذرع بالمسافة الواحدة من الجميع لينتهي به الأمر غير مدافع عن المقاومة، أو قائد الجيش العماد جوزيف عون الذي دلّت كل مسيرته في قيادة الجيش على أنه غير مقتنع بأن المقاومة تمثل خياراً حقيقياً، بل تعامل معها كأنها أمر واقع، ومتى أتيح له، أقفل الأبواب عليها في الجيش، وفتح الأبواب أمام الأميركيين بطريقة جعلتهم يعرفون تفاصيل الإدارة اليومية للمؤسسة العسكرية أكثر من غيرهم

 

وهناك، أيضاً، جانب آخر للأزمة، يرتبط عملياً بمسار الدولة وعمل المؤسسات فيها خلال السنوات العشر الماضية. إذ إن التيار الوطني الحر يكشف في كل مرة عن مشكلة كبيرة تواجهه نتيجة الصدام مع الرئيس نبيه بري. مع الوقت، فهم التيار – أو قبل معادلة – أنه لا يمكن دفع الحزب أو جره إلى معركة مع بري، ووصل الأمر به إلى مستوى القبول الواقعي بأنه لا يتقدم على بري في أولويات الحزب. لكن التيار ما كان ليئن أخيراً لولا شعوره بأن رئيس المجلس نجح في استدراج الحزب إلى مواجهة دفعته إلى أن يأخذ قراراً ليس بالوقوف إلى جانب بري فقط، بل إن النقطة التي أفاضت الكأس، كانت في صدمة التيار بأن الحزب صار يتعامل مع الرئيس نجيب ميقاتي كما لو أنه نبيه بري.

 

فكرة اطمئنان أحد الطرفين بأن الآخر لن يتركه غير واقعية لأن البدائل موجودة لدى كل منهما وإن كانت لا تلغي ان أضراراً كبيرة ستلحق بهما

 

عند هذا الحدّ، لا يصمت حزب الله، لكن نقاشه يصبح مختلفاً. فهو يعرف أن لكل علاقة سياسية أو تحالف ثمنه. ومثلما جرى تحميله مسؤولية مضاعفات التحالف الرباعي عام 2005، فهو أيضاً تحمل مسؤولية كل الأخطاء التي ارتكبها الرئيس بري في إدارة الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية. وصار الجميع، بما في ذلك الحزب، يعرف أنه ليس مضطراً للشرح أو الدفاع، بقدر ما هو معني بتوضيح الأمور على صورتها الحقيقية: قرارنا واضح ونهائي وحاسم وغير قابل للنقض، وهو يقوم على جملة بسيطة تقول: لا خلاف مع بري!

ما حصل بعد جلسة الحكومة الأخيرة فتح الباب أمام نوع آخر من النقاش بين الحزب والتيار. وحتى لو تأخرت عملية استئناف الحوار بين الطرفين، إلا أنهما يتصرفان، حتى اللحظة، على قاعدة أن الطلاق يشكل خسارة حقيقية لكل منهما. فالحزب يعرف أهمية التحالف مع تيار واجه وقاتل إلى جانبه، والتيار يعرف أنه أخذ الكثير من الحزب، وحصل على دعم كبير، وصل حد الصدام مع بري يوم قرر الحزب التصويت لميشال عون رئيساً للجمهورية ورفض الصفقة التي أبرمت بين بري والحريري والفرنسيين للإتيان بسليمان فرنجية رئيساً.

كذلك يعرف باسيل وأركان التيار أن كسر العلاقة مع الحزب لن تجعله يموت من الجوع. لكنها ستكسر ظهره جدياً. حتى المغريات والعروض الهائلة التي تقدم الآن للتيار، ولباسيل شخصياً، وهي عروض أميركية – سعودية حتى ولو حملها الفرنسيون والقطريون، يعرف باسيل أن السقف المرتفع لهذه المغريات ينطلق من كونه في موقع الحليف الرئيسي لحزب الله، وأن سقف الصفقة مرتبط بمكانته وتأثيره لدى حزب الله، أما في حال بادر إلى الطلاق، ولو وجد ما يبرر خطوته، فسيكون أمام عرض آخر، ينخفض فيه السقف إلى حدود دنيا، وسيدفعه إلى خطاب لا يناسب التيار لا مسيحياً ولا وطنياً.

 

في هذا السياق، ورغم أن غالبية ما قاله باسيل في مؤتمره الصحافي يمكن فهمه أو تبنيه أو الدفاع عنه، إلا أن عبارة وحيدة كان يجب تفاديها، أو بات من الأجدر العمل على إزالتها، وهي العبارة التي جاءت في ختام الكلمة والتي أشار فيها إلى مشروع اللامركزية الإدارية الموسعة، وأنه يجب العمل على تحقيقها، سواء من خلال القانون أو من خلال وسائل أخرى.

في هذه النقطة، يعطي باسيل إشارة غير مناسبة في سياق بحثه عن آليات تقود إلى وطن أفضل وإلى دولة أكثر عدالة، وفيها تمريرة لن يستفيد منها سوى الطرف الخصم له وسط المسيحيين، وهو الطرف الذي يحن إلى أيام المنطقة المعزولة عن بقية لبنان، والذي عاش وهم الدولة المستقلة عن لبنان والعرب.

اليوم، تدخل البلاد مرحلة جديدة من الحياة السياسية، والمصارحة المطلوبة بين الأطراف المعنية لم تعد ترفاً، ولم يعد منطقياً إرجاؤها إلى وقت آخر. وبما خص الحزب والتيار، ثمة حاجة إلى ترتيب خلوة مفتوحة بين القيادتين، شرط أن يكون الكلام صريحاً إلى أبعد الحدود، وبلا قفازات. وأن يمنع من الحضور كل من يدوّر الزوايا، لأن المطلوب قول كل ما يجب أن يقال بصراحة شديدة، وأن يعمل الجانبان على إعادة إنتاج تفاهم بصيغة جديدة، حتى ولو قررا الذهاب إلى طلاق، أو قرر ذلك طرف من دون الآخر، فعليه أن يفعل ذلك بطريقة تقنع الأبناء!