جورج بوش الأب.. آخر العظماء

 

في عهده، أعلن رسمياً عن نهاية الاتحاد السوفياتي. تعاطى مع أحد أهمّ الأحداث التي شهدها القرن العشرين بكلّ رقيّ. كان في مستوى الحدث وجعل أميركا التي تحوّلت إلى القوة العظمى الوحيدة في العالم تتعاطى مع سقوط الخصم الأوّل لها وتتويج انتصارها في الحرب الباردة بشكل لائق بعيداً كلّ البعد عن الشماتة. هذه تصرفات لا يقدم عليها سوى الكبار من طينة جورج بوش الأب أحد أعظم الرؤساء الأميركيين، بل آخر العظماء الذين أقاموا في البيت الأبيض.

 

حرص بوش الأب الذي توفّى قبل أيام عن أربعة وتسعين عاماً على إشراك الاتحاد السوفياتي برئاسة مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط، أواخر العام 1991 حفاظاً على ماء الوجه لميخائيل غورباتشوف. فعل ذلك على الرغم من معرفته التامة بأن القوّة العظمى الأخرى في هذا العالم انهارت عملياً وذلك في اليوم الذي انهار فيه جدار برلين في تشرين الثاني (نوفمبر) 1989. كان رئيساً أميركياً متميّزاً. كان يتمتع بخبرة طويلة في السياسة الخارجية ومعرفة العالم بعدما شغل مناصب مهمّة عدّة قبل دخوله البيت الأبيض مطلع العام 1989. كان سفيراً للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ثمّ سفيراً في الصين ومديراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي. آي. إي» قبل أن يصبح نائباً للرئيس لمدة ثماني سنوات في عهد الرئيس رونالد ريغان.

 

أمضى جورج بوش الأب أربع سنوات رئيساً. لم يستطع الحصول على ولاية ثانية لأسباب عدّة من بينها تراجع الاقتصاد الأميركي في السنة الأخيرة من عهده واضطراره إلى رفع الضرائب بعدما كان وعد في أثناء حملته الانتخابية بعدم اللجوء إلى ذلك.

 

لكنّ الإنجاز الأكبر لبوش الأب يظلّ تحرير الكويت في شباط (فبراير) 1991 وامتناعه عن إصدار أمر إلى الجيش الأميركي وقوات التحالف الدولي بالذهاب إلى بغداد لإسقاط نظام صدّام حسين.

 

كان جورج بوش الأب ينتمي إلى مجموعة صغيرة من الرؤساء الأميركيين الذين استطاعوا لعب دور في تغيير العالم. لا يمكن مقارنته إلّا برؤساء من طينة دوايت ايزنهاور الذي أجبر بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من الأراضي المصرية في أعقاب حرب السويس في العام 1956.

 

في كلّ ما فعله بعد الاجتياح العراقي للكويت في الثاني من آب (أغسطس) 1990، أظهر جورج بوش الأب صفات قيادية وحكمة واستيعاباً أميركياً لا سابق له للوضع في الشرق الأوسط خصوصاً ولما يدور في العالم عموماً. أصرّ على أن يكون تحرير الكويت بفضل تحالف دولي يحظى بتغطية الأمم المتحدة. التزم القانون الدولي بحرفيته رافضاً أي مغامرات من أيّ نوع في وقت كانت الولايات المتحدة تمتلك هامشاً للمناورة لا سابق له في التاريخ الحديث في غياب أي منافس لها، أو معترض على سياساتها في الساحة العالمية. عرف أن مهمّة التحالف كانت تقضي بالتوقف عند حدود الكويت وإعادتها إلى أهلها. أدرك أن الذهاب إلى صدّام حسين في بغداد، على الرغم من كلّ ما ارتكبه من فظاعات، سيعني انهياراً كاملاً للعراق وللتوازن الإقليمي الذي لن تستفيد منه إلّا إيران.

 

كان على إيران أن تنتظر أثني عشر عاماً لتجد من يقدّم لها العراق على صحن من فضّة. من فعل ذلك في العام 2003، كان جورج بوش الابن الذي تحوّل انتصاره في السباق الرئاسي ودخوله البيت الأبيض بداية السنة 2001 إلى كابوس ما زالت المنطقة كلّها تعاني من تأثيراته. على خلاف والده، لم تكن لدى بوش الابن أي رؤية استراتيجية واضحة للعالم تنمّ عن وجود مقدار من الحكمة يطبع تصرفاته، خصوصاً بعدما ذهب إلى العراق قبل الانتهاء من أفغانستان وربطه بين صدّام حسين واسامة بن لادن، وهو ربط لا أساس له.

 

يفتقد العالم في هذه الأيّام جورج بوش الأب وفريق عمله، الذي ضم وزير الخارجية جيمس بايكر ومستشار الأمن القومي برنت سكاوكروفت، أكثر من أيّ وقت. يفتقد إدارة كانت تذكّر بإدارة ايزنهاور الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من سيناء في العام 1956 وأكد أن المغامرات العسكرية لا تتم من دون إذن أميركي. ما لا بدّ من تذكّره هذه الأيّام أنّ إدارة بوش الأب منعت إسرائيل من أي تدخل في حرب تحرير الكويت، حتّى بعدما ارتكب صدّام حسين حماقة إطلاق صواريخ في اتجاه الضفّة الغربية.

 

قبل تحرير الكويت وفي أثناء حرب التحرير، أجبرت إدارة بوش الأب إسرائيل على قبول بطاريات صواريخ «باتريوت» في أراضيها تديرها طواقم أميركية. كان ذلك حدثاً في حدّ ذاته، نظراً إلى أن الإسرائيليين كانوا يرفضون دائماً أيّ وجود لقوات عسكرية أجنبية تدافع عنهم. ما فعله بوش الأب، وربما دفع ثمنه غالياً في مرحلة الترشح من أجل ولاية ثانية تمثّل في جرّ إسرائيل جرّاً إلى مؤتمر مدريد السلام استناداً إلى قرار مجلس الأمن الرقم 242 المبني على مبدأ الأرض في مقابل السلام.

 

كانت إدارة بوش الأب آخر إدارة أميركية تتصرّف من منطلق أميركي بحت، من منطلق أن أميركا تمتلك مبادئ عظيمة لا تستطيع الخروج عنها. كلّ ما حصل بعد فشل الرجل في العودة إلى البيت الأبيض وخسارته أمام بيل كلينتون هو دخول في مرحلة الإدارات الأميركية ذات المواقف الرمادية التي تشبه باراك أوباما أو التي لا تعرف الكثير عن المنطقة والعالم.. باستثناء إدارة دونالد ترامب. صحيح أنّ لا مجال لأي مقارنة بين خبرة بوش الأب في العالم ورجل الأعمال الذي اسمه دونالد ترامب، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ ترامب لم يتردّد في تحديد سياسة واضحة تجاه إيران والخطر الذي يمثّله مشروعها التوسّعي.

 

هل يصلح ترامب قبل انتهاء ولايته الأولى ما أفسده بوش الابن الذي ارتكب جريمة احتلال العراق رافضاً أن يتعلّم شيئاً من حكمة والده وما كان يمثّله ويجسّده على الصعيد الأخلاقي أوّلاً؟