IMLebanon

هل دخلت إيران نفق الورطة؟

 

ليس تأثير العقوبات الاقتصادية على إيران، كما يدّعي ويزعم بعض قادتها العسكريين والسياسين، تأثيراً سطحياً وهامشياً وعابراً، بل هو من الفعالية الى درجة يمكن تصنيفه في سياق الأحداث ذات الارتدادات الاجتماعية والسياسية المغيّرة لمسارات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، والتي قد ينتج منها تاريخ سياسي جديد إذا استمرت من دون قيام النظام الإيراني بالتنازل والتوافق مع البيئة الدولية.

 

 

وبعيداً من عدالة العقوبات من عدمها، إلا أنها تمنح إيران فرصة للتحوّل الى دولة طبيعية إن عرفت كيف تستفيد من هذا الدرس، وتتخلص من سلوكياتها التي لم تعد تتناسب ومنطق الدولة الحديثة وأسس العلاقات الدولية التي قامت على روح اتفاق وتسفاليا، والمرتكز أساساً على مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، ذلك أن إيران لم تكتف بفرض السيطرة السياسية على أنظمة الحكم في بعض دول الجوار، بل ذهبت الى ما هو أبعد من ذلك بمحاولة تغيير هوية هذه البلدان والعبث بتركيبتها الديموغرافية، ومن منطلقات ثأرية جوهرانية.

 

الحديث الإيراني عن لا فعالية العقوبات وعدم تأثيرها على سياسات إيران في المنطقة، إما أنه كلام للتسويق المحلي وتضليل المجتمع الإيراني وتخديره لتمرير الفترة الأولى حتى يستطيع نظام الملالي البحث عن خيارات بديلة أو التأقلم مع هذه العقوبات وإعادة ترتيب الأوراق الداخلية والخارجية، وإما أن رجالات الحكم يعنون ما يقولون، وأن العقوبات فعلاً لن تؤثر على الطبقة الحاكمة وأجهزة الحكم التي ستبقي على نمط معيشتها ومستويات إنفاقها الداخلية والخارجية المشغلة لمشروعها الجيوسياسي، وأما أن العقوبات تؤثر على الشعب فذلك ليس بالأمر المهم، على اعتبار أن الشعب الإيراني معتاد على التقشف والتنازل عن الكثير مما هو غير ضروري.

 

والواقع، أن هذا رهان أكثر منه تقدير واقعي للأوضاع في إيران، ولو كانت هناك تقديرات واقعية فعلية عرضت على صانع القرار الإيراني بتحيز وموضوعية، لكان رجح خيارات أقل تكلفة حتى لو انطوت على بعض التنازلات في قضايا غير مهمة لإيران، بخاصة على المستوى الإقليمي، وكان في إمكان إيران الاكتفاء بالقوّة الناعمة، التي أثبتت أنها الأداة السياسية الناجعة في زمننا هذا، أكثر من القوّة الخشنة ذات الكلفة المرتفعة والأخطار العالية، ثم أين هي الفعالية وأين هو العائد من سياسات إيران الخشنة في الإقليم؟ إذا كانت في سورية، وعلى رغم استثماراتها الهائلة في هذا البلد قد تحوّلت الى طرف ثانٍ بعد روسيا، وهي في طريقها الى التهميش في تقرير الأوضاع السورية ومآلات الأمور فيها، وهي في لبنان لا تفعل أكثر من أنها تضع الدولة والمجتمع اللبنانيين على حافة الخطر في مواجهة محتملة مع إسرائيل؟

 

وبعيداً من هذا وذاك، ليس سراً أن الاقتصاد الإيراني، ونتيجة سياسات غير عقلانية، هو اقتصاد ريعي بدرجة كبيرة يقوم على ريع تصدير النفط والغاز بدرجة كبيرة، وهذا النمط من الاقتصاديات يعتاش في شكل يومي على ما يتم تصديره، بخاصة أن نظام الملالي الذي يسيطر على الدولة في إيران، لم يسمح، أو لم يتمكن من مراكمة أرصدة مالية تعينه على مواجهة مواقف مثل المقاطعة والحصار، هذا فضلاً عن كون تركيبة هذا الاقتصاد ضعيفة وتقوم على عدد محدد من العناصر، إضافة الى النفط والغاز، كالفستق وبعض المواد الطبيعية، في حين أن الصناعة بائسة وهي لا تلبي حاجة السوق الداخلية، وذلك كله في وضع مطلوب فيه من إيران الدولة، تلبية حاجات مجتمعات يزيد عدد أفرادها عن ثمانين مليون!

 

وعلى رغم ما يقال عن الإعفاءات التي حصلت عليها بعض الدول لاستيراد بعض النفط الإيراني، وأنها ذات قيمة الى درجة أنها قادرة على إبطال مفاعيل العقوبات، كما يدّعي بعض ساسة إيران، الذين اعتبروا ذلك رضوخاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لعدم دفع إيران للرد بقوة، فالحقيقة أن لهذه الإعفاءات أسباباً موضوعية تتعلق بعدم قدرة أسواق النفط في هذه المرحلة على تعويض النفط الإيراني وربما تحتاج الى وقت للقيام بذلك، وبالتالي ليس المطلوب أن تتحوّل العقوبات الى عقوبات على بعض الدول التي تعتمد صناعاتها على بعض النفط الإيراني الى حين إيجاد بدائل وتعاقدات أخرى، لكن بالنسبة الى إيران، لن يفيدها هذا الأمر كثيراً، ذلك أن هذه الدول لن تتعامل معها كأن الأمر طبيعي بل ستتعرض إيران للابتزاز والتسويف في الدفع والبيع بأسعار أرخص، كما أن العائد في الغالب سيكون على شكل بضائع وسلع.

 

ذلك كله يثبت أن إيران بعد العقوبات لن تكون كما قبلها، ولعل السؤال الملح هو كيف ستتعامل إيران مع حالة التذمر والتمرد الحاصلة لديها أصلاً قبل إقرار العقوبات، والضيقة الاقتصادية التي ستنتج منها، وهل في مستطاع المجتمع الإيراني السكوت فعلاً وتحمّل المزيد من الأعباء المرهقة التي ستضاف إلى أوضاع مشبعة بالإرهاق؟، ترى ما هي البدائل التي تستطيع إيران اللجوء إليها من أجل تجاوز المصاعب الأتية لها من باب العقوبات الاقتصادية، هل تتخلى عن مشروعها الجيوسياسي الذي استثمرت فيه جزءاً كبيراً من ثرواتها، وهل يستطيع النظام الإيراني الإقدام على هذه الخطوة من دون إحداث خلل في معادلة الحكم وتوازناتها، بخاصة أن تركيبة نظام الحكم فضلاً عن أيديولوجيته يشكلان الآلة التشغيلية للمشروع الجيوسياسي، وأنه بتنازله عن هذا المشروع سيضطر نظام الملالي الى إعادة هيكلة جديدة لتركيبته، تشبه غلاسنوست ( بيريسترويكا) ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفياتي؟

 

واضح أن إيران بدأت في دخول نفق عميق لورطة وجودية، ولن تكون قادرة على التنازل عن مشاريعها ولا على مواجهة مترتبات العقوبات الاقتصادية، والمؤكد أن القرار الحقيقي سيتخذه الشعب الإيراني.