IMLebanon

هل بدأ الانقلاب على «الطائف» في لبنان؟

 

لا يزال لبنان يعيش أزمة تشكيل الحكومة بعد ثلاثة أشهر من تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيلها. بورصة التفاؤل أو التشاؤم ترتفع وتنحسر بين يوم ويوم، بل بين ساعة وساعة. المواطن اللبناني مصاب بالإحباط واليأس من طبقة سياسية تبرهن له، بل للعالم أنها طبقة فاقدة الأهلية، لا ترى إلى البلد إلا من خلال مصالحها الخاصة والحصص التي ستنالها، ناهيك بالفساد الذي يلفها بالكامل. إذا كان الظاهر من الأزمة هو الصراع على الحصص، ورفض كل طرف التنازل عن مطالبه من أجل الوصول إلى تسوية، إلا أن حقيقة الأزمة أبعد من تشكيل الحكومة، إنها في صلب النظام السياسي المعمول به منذ ثلاثة عقود.

 

 

شكل اتفاق الطائف الموقع في 1989 تسوية سياسية تكرست في مواد دستورية أقرها المجلس النيابي، وباتت أساساً لتشكيل النظام اللبناني القائم. يقوم هذا النظام على محاصصة طائفية ومذهبية واضحة وصريحة، حولت البلد إلى مجموعات إقطاعية – طائفية، بحيث باتت كل طائفة تتصرف وفق قاعدة «ما لنا لنا، وما لكم لنا ولكم». وعلى امتداد العقود الماضية، باتت الدولة العنصر الأضعف، بعد أن زحفت المحاصصة على كل مفاصل النظام السياسي واستكملت استتباع الدولة لطوائفها ومذاهبها ومناطقها وعشائرها.

 

كانت أبرز نتائج هذه المحاصصة انعدام الاستقرار السياسي، واستحالة بناء دولة القانون والمؤسسات. فلا وجود لعدالة طائفية ترضي جميع الطوائف. لذا، كان من الطبيعي أن يجد البلد نفسه أمام أزمة حكم وأزمة نظام عند تشكيل الحكومة. فالصراعات بين القوى السياسية هي في حقيقتها صراعات على حصتها في النظام، وهو صراع يضمر دوماً تغييراً في المعادلات التي أقرتها تسوية الطائف عام 1989.

 

إذا كانت تسوية الطائف تترنح اليوم بقوة، بعد الضربات التي تلقتها على امتداد السنوات الماضية، خصوصاً في الأعوام التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، خصوصاً في أيار (مايو) 2008، حيث نفذ «حزب الله» ما يشبه الانقلاب على التسوية، فإن تجديد التسوية في 2016 التي أتت بالحكم الحالي، في رئاسة الجمهورية رئاسة الحكومة، تعاني من تصدعات تكاد تطيحها، وهي تصدعات بدأت منذ الأشهر الأولى لقيامها، نتيجة طموحات العهد في الانقلاب على الطائف وتكريس ما يشبه النظام الرئاسي بكل مفاعيله.

 

أين تكمن المعضلة الرئيسية في التشكيل؟ ما الأهداف الحقــيقية من منع قيام حكومة توافقية؟ الأمر يتجاوز الحصص الوزارية إلى أهداف تتصل بتغيير المعادلات السياسية القائمة، وإلى تعديل فعلي في اتفاق الطائف يعيد تركيب الحصص بما يتوافق وميزان القوى الداخلي والإقليمي. تكمن العقد في موقفي كل من «حزب الله» والتيار الوطني الحر الــهادف كل منـــهما إلى تعديل الاتفاق. ينطلق الحــزب من كون الموقع الذي تحــتله الطائفة الشيعية في تســوية الطائف لم يعد متـــناســـباً مع دور الطائفة وقوتها ونفوذها الداخلي على مختلف الصعد السياسية المالية، ناهيك بالقوة العسكرية التي يستند إليها الحزب، والتي يعرف أنها تشكل هراوة فعلية يمكن استخدامها عندما تستدعي الحاجة. كما يعتبر الحزب أن مطالبه الداخلية في تعديل الصيغة مستندة إلى دوره الإقليمي، حيث يرى أن «الانتصارات» المتحققة في سورية وبعض الدول لم تكن لتتحقق لولا مساهمته والمحور الذي ينتمي إليه. لذا، يرى الحزب أن الوضع الراهن هو الفرصة المناسبة لفرض شروطه. لم يُخف الحزب مطالبه، سابقاً وراهناً، وهي تتراوح بين مؤتمر تأسيسي يعيد تركيب الحكم على قاعدة المثالثة بدل المناصفة، أو المطالبة بنيابة رئاسة الجمهورية وبصلاحيات فعلية.

 

تلتقي أهداف التيار الوطني الحر مع أهداف «حزب الله» في ضرورة تعديل صيغة الطائف، لكن طموحاته لا تلتقي مع طموحات الحزب لجهة مضمون التعديل. فالتيار يريد العودة إلى ما قبل الطائف، حيث كانت رئاسة الجمهورية تتمتع بصلاحيات مطلقة من دون أن يكون الرئيس مسؤولاً، متجاهلاً أن تعديل هذه الصلاحيات استوجب حرباً أهلية أنتجت اتفاق الطائف. على رغم ذلك، ومع إدراك التيار تعارضَ أهدافه مع أهداف الحزب، إلا أنه لا يمانع في إنهاء الصيغة الراهنة، على أمل صيغة جديدة تعطي الرئاسة موقعاً مختلفاً.

 

لا يبدو الأفق مفتوحاً لحل الأزمة الحكومية، بل من المتوقع أن تزيد الاستعصاءات المانعة لتشكيل الحكومة. تنتصب معضلة التطبيع مع النظام السوري كواحدة من العقبات الرئيسية للموافقة على الحكومة، وهي عقبة تصطدم برفض قوى سياسية وازنة على رأسها الرئيس المكلف. إن فرض التطبيع قبل تشكيل الحكومة وكشرط مسبق سيعني هزيمة طرف مقابل طرف آخر، وهو ما لا يحتمله البلد. كما أن التلويح بإعادة تكليف شخص آخر التشكيل وفرض حكومة أكثرية أمر يصب في تصعيد الأزمة السياسية في البلاد.

 

إن مسار الأزمة السائر من تعقيد إلى تعقيد، في ظل أهداف وشروط تضمر انقلاباً في التسوية السياسية السابقة والأخيرة، وفي ظل انعدام التوافق على حكومة وفاق وطني، قد يمهد لحلول غير سلمية، وإلى جراحة سبق للبلد أن شهد نموذجها في أيار 2008. فهل دخل لبنان هذا النفق؟