في واحدة من أكثر اللحظات التاريخية حرجاً وخطورة في مسار الأزمة اللبنانية المعقّدة، اختتم قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، زيارته المفصلية للعاصمة الأميركية واشنطن. هذه الزيارة، التي تتجاوز في أبعادها السياقات العسكرية التقنية المعتادة، تأتي في وقت يعيش فيه لبنان على فوهة بركان سياسي وأمني، حيث تتقاطع نيران الميدان مع طموحات الهندسة السياسية الإقليمية الجديدة التي تسعى لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
• أجندة «الغرف المغلقة»: ملفات تقنية برؤوس سياسية
لم تكن لقاءات العماد هيكل في البنتاغون وأروقة الخارجية الأميركية بروتوكولية، بل كانت «تقنية بامتياز» ومثقلة بالأرقام والخرائط. ووفق مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى، قدّم قائد الجيش اللبناني ملفاً استراتيجياً هو الأول من نوعه، يتضمن خرائط عسكرية مفصلة لا تكتفي برصد المواقع والأنفاق التابعة لحزب الله، بل تقدم «خارطة طريق» زمنية واضحة لتنفيذ خطة نزع السلاح على مراحل مدروسة، تبدأ من الحيز الجغرافي وتنتقل إلى القدرات النوعية.
هذا الملف تضمن أيضاً «كشف حساب» لما أُنجز في المرحلة الأولى جنوب نهر الليطاني. وتكشف تقارير القيادة المركزية الأميركية أن الجيش اللبناني تمكّن من جمع نحو 10 آلاف صاروخ، و400 قذيفة، وأكثر من 205 آلاف قطعة ذخيرة غير منفجرة. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات عسكرية، بل هي «عملة سياسية» يستخدمها هيكل لإقناع دوائر القرار في الكونغرس المتردد بأن المؤسسة العسكرية هي الشريك الموثوق الوحيد القادر على فرض «حصرية السلاح» إذا ما توفر له الدعم اللوجستي والغطاء الدولي اللازم.
• معضلة «الكونغرس» والشرطية الأميركية الصارمة
في «الكابيتول هيل»، واجه العماد هيكل مناخاً سياسياً يتسم بالتشدّد. فالانقسام داخل الكونغرس حادّ وواضح؛ حيث يقود السيناتور غراهام تياراً يرى أن أي دولارا يُدفع للجيش اللبناني هو «إهدار للموارد» ما لم يترجم بصدام مباشر ونهائي لإنهاء حالة السلاح الموازي. في المقابل، تحاول الإدارة الأميركية الحالية الموازنة بين ضغوط مشروع قانون الدفاع الجديد، الذي يربط المساعدات صراحة بـ «تقدم ملموس وجذري في نزع السلاح»، وبين حاجتها للحفاظ على الجيش كعائق أخير أمام الانهيار الشامل للفوضى.
التهديد الأميركي بـ «الانفصال السياسي» لم يعد مجرد تلويح، بل بدأ يترجم في بطء التمويل للمؤسسات الدولية المانحة، وفي قوائم العقوبات التي بدأت تلوح في الأفق لتطال شخصيات سياسية وازنة بتهمة «توفير الغطاء السياسي للسلاح». والرسالة كانت واضحة: واشنطن والرياض لن تقدما دولاراً واحداً لإعادة الإعمار ما لم يبدأ «القطار الأمني» مساره النهائي نحو تجريد حزب الله من ترسانته.
• فخ «السلام الاقتصادي» وأوهام التطبيع
خلف الستار العسكري، تبرز أجندة استراتيجية أوسع تسعى لاستغلال الضعف اللبناني لدفعه نحو مسارات «اتفاقات إبراهيم». إن المقترح الذي طرحه المبعوث توم باراك حول إنشاء «منطقة اقتصادية مشتركة» على جانبي الحدود، ليس مجرد مشروع تنموي، بل هو محاولة لاستبدال «اقتصاد المقاومة» بنموذج «الرخاء المرتبط بالاستقرار مع إسرائيل».
تصريحات ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب السابق، حول «لحظة ملحمية» لتطبيع لبنان وسوريا، تعكس العقلية التي تدار بها الأمور في واشنطن وتل أبيب. السعي هنا يتركّز على تحويل السلاح إلى «عبء اقتصادي» على بيئته، وإغراء اللبنانيين بالاستثمارات الدولية مقابل ترتيبات أمنية مباشرة مع إسرائيل. وهو ما ترفضه بيروت بشدّة، مدركة أن التطبيع في ظل الاحتلال المستمر لخمسة مواقع استراتيجية في الجنوب لن يؤدي إلّا إلى تمزيق النسيج الوطني وإشعال فتيل حرب أهلية مدمرة.
• ما بعد «اليونيفيل»: الفراغ القاتل و«آلية الإنفاذ»
لعلّ التحدّي الأكبر الذي يواجه لبنان في عام 2026 هو قرار مجلس الأمن الدولي بإنهاء ولاية قوات «اليونيفيل» في ديسمبر المقبل. هذا الانسحاب المبرمج يهدف لخلق مواجهة مباشرة ومكشوفة بين الجيش اللبناني وحزب الله. الخطة الأميركية – الإسرائيلية المسرّبة تتحدث عن «آلية إنفاذ» من طبقتين: الأولى يقودها الجيش اللبناني بدعم أميركي – فرنسي، والثانية تعطي للجيش الإسرائيلي دور «الضامن النهائي» الذي يتدخل عسكرياً لمعالجة أي قصور في تنفيذ نزع السلاح.
هذا الترتيب يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية ويضع الجيش اللبناني في موقف لا يحسد عليه؛ فإما أن يصطدم ببيئته الداخلية، أو يواجه الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تتحين الفرص للتدخل المباشر تحت ذريعة «فشل الدولة في تطبيق القرارات الدولية».
• الحسابات الداخلية: انتخابات 2026 والرهانات الخاسرة
تلقي الانتخابات النيابية المقررة في أيار 2026 بظلالها الكثيفة على زيارة هيكل. المجتمع الدولي يراهن على هذه الانتخابات لإحداث «تغيير بنيوي» يعزل حزب الله برلمانياً، بينما يدرك الحزب وحلفاؤه أن التخلّي عن السلاح قبل وضوح معالم التسوية الإقليمية الكبرى هو «انتحار سياسي». لهذا السبب، يرفض الحزب تسليم أي قطعة سلاح إضافية قبل الانتخابات، متبعاً استراتيجية «كسب الوقت» والمراهنة على تبدّل المعطيات الإقليمية.
• السيناريوهات المحتملة: بين الانفجار والإدارة المؤقتة
أمام هذا المشهد المعقد، تبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. النجاح الجزئي: وهو الأرجح، حيث يتم الحفاظ على «توازن القوى الهش» عبر تقديم تنازلات إجرائية ترضي واشنطن مؤقتاً وتمنع قطع المساعدات، دون الدخول في مواجهة شاملة.
2. التصعيد العسكري: في حال أصرّت إسرائيل على «آلية الإنفاذ» المباشرة، مما قد يدفع حزب الله للرد لكسر قواعد الاشتباك.
3. الانفجار الداخلي: إذا حاول الجيش فرض نزع السلاح بالقوة في مناطق «الخطوط الحمراء»، مما قد يشعل حرباً أهلية طائفية.
• حبل السيادة المشدود
يعود العماد هيكل إلى بيروت حاملاً معه «الجزرة» المالية الأميركية و«العصا» الغليظة للشروط السياسية. إن مهمة المؤسسة العسكرية اليوم ليست مجرد مهمة أمنية، بل هي عملية «جراحة دقيقة» في قلب الكيان اللبناني. لبنان اليوم يسير على حبل مشدود؛ فمن جهة هو مطالب بتلبية المطالب الدولية لاستعادة مقومات الدولة، ومن جهة أخرى هو مطالب بحماية سلمه الأهلي من إملاءات تهدف لتجزئته.
الساعات المقبلة، وما سيعرضه هيكل على الحكومة من تفاصيل «المرحلة الثانية»، ستكون الفاصلة. فهل ينجح لبنان في تحقيق «معادلة السيادة والاستقرار»؟ أم أن الضغوط الهائلة ستحوّل «عام 2026» إلى العام الذي سقط فيه لبنان في فخ الخيارات المستحيلة؟