رأس الحلول البيئية «الاعتراف» بوزارة البيئة

 

 

مع بدء البحث في استراتيجية لادارة النفايات في وزارة البيئة، ناقش «ائتلاف ادارة النفايات» المدني، قبل أيام، امكانية اقتراح خطة موازية للرد على بعض منتقديه بضرورة تقديم البديل بدل الاكتفاء بالاعتراض. إلا أن الرأي استقر في النهاية، بعد نقاش لم يأخذ كثيراً من العناء، على أن وضع الاستراتيجيات ومناقشتها مع المعنيين من مسؤولية الحكومة، ووزارة البيئة تحديداً، بعد وضع خريطة طريق تحدد هيكليتها وعناصرها وأهدافها وسبل تحقيقها… إذ أن أول متطلبات الاستراتيجية، أن تستند الى دراسات ومعطيات، يفترض أن تكون الوزارة قد جمعتها وعملت عليها منذ انشائها مطلع التسعينيات، وهو ما لم يحصل في اي حال.

 

صحيح أن هناك مشكلة تاريخية تتمثّل في طريقة اختيار الوزراء لهذه الحقيبة، والتي لم تراعِ في أي مرة متطلبات هذه الوزارة الحساسة فنياً وحياتياً. إلا أن الخلل، طوال نحو ربع قرن، يكمن أيضاً في غياب الحسّ الاستراتيجي لدى الادارة في هذه الوزارة، والتي كان يفترض أن توجّه الأبحاث والدراسات للوصول الى حلول لكل الملفات البيئية. باختصار، وجود ادارة حكيمة واستراتيجية (يرأسها مدير عام استراتيجي)، كان يمكن أن يخفف الكثير من المشاكل ويعوّض النقص ويراكم الخبرات في الاتجاه الصحيح.

والى ضعف الادارة، أُعطيت الأولوية في الوزارة لمشاريع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على حساب التفكير الاستراتيجي في الملفات الرئيسية. فيما عانت، في الوقت نفسه، من سوء التنسيق مع بقية الادارات، لا سيما مجلس الانماء والاعمار الذي هيمن تاريخياً على معظم ملف النفايات لناحية «التخطيط» واختيار الأمكنة ووضع دفاتر الشروط والتأهيل والتلزيم والمراقبة…الخ، ناهيك عن تناتش صلاحيات هذه الوزارة المستضعفة من وزارة الداخلية والبلديات التي أمسكت، عبر الصندوق البلدي المستقلّ، بتمويل معظم ما يتطلبه هذا الملف. وأيضاً من وزارة التنمية الادارية التي «صادرت» حصة من صلاحيات «البيئة» بعد عام 2004.

فحتى دراسة جدوى اعادة التصنيع التي كان يمكن الاستفادة منها أثناء مناقشة قانون النفايات، كان مجلس الانماء والاعمار قد كلف بها شركة «اركاديس» عام 1999، قبل أن يخفيها بحجة انها لم تكتمل، وبدعوى أن لا جدوى من هذا الخيار. علماً أنها عملت على دراسة أحجام النفايات وانواعها، وحجم تلك القابلة لاعادة التصنيع منها، وكيفية جمعها وأسعارها…الخ. وهي كانت بحاجة الى التحديث ويمكن البناء عليها، ليس من اجل اعادة التصنيع فقط، بل من اجل التعمق في التصنيف، لمعرفة الانواع غير القابلة لاعادة التصنيع، وتلك الخطرة او السامة، ومصادرها وكيفية استردادها او منعها من الدخول الى الأسواق، كإجراء تخفيفي استراتيجي.

وزارة الداخلية والبلديات، من جهتها، كانت قد لزمت ايضا شركة «ايكولينغ» السويسرية ما اسمته «تطوير استراتيجية وطنية لادارة النفايات الصلبة في لبنان وإعداد دفتر شروط». وقد رفعت هذه الدراسة الى مجلس الوزراء في تموز 2002، وهي تقترح انشاء مطمر في كل قضاء ومحرقتين في شكا وسبلين. هذه الدراسة، وغيرها مما لزّمه مجلس الانماء والاعمار، كانت دائماً دراسات من اجل التلزيم لـ«التخلص» من النفايات في الشوارع بأسعار مربحة، وليس من أجل «المعالجة». وهي، بالتالي، لا تمتّ الى الدراسات الاستراتيجية بصلة. أضف الى ذلك أن كل الدراسات والخطط اللاحقة التي وقعتها وزارة البيئة مع مجلس الانماء والاعمار ووزارة الداخلية والبلديات – آخرها خطة 2006 لاستبدال خطة طوارئ 1997 ومطمر الناعمة بمطامر ومعامل على اساس المحافظات والاقضية – فشلت جميعها، حتى وصلنا الى ازمة 2015 وخطة طوارئ العام 2016 الشاطئية الاكثر ضررا من سابقاتها! وهي، كما يشير اسمها، خطط طوارئ لم تتصف يوما بالاستراتيجية!

مؤخراً، بدأت وزارة شؤون التنمیة الإدارية، بدعم وتمویل من الاتحاد الأوروبي، بتطویر ١٢ مخططاً توجیھياً لإدارة النفایات في كل المناطق اللبنانیة، باستثناء بیروت وجبل لبنان… من دون التنسيق مع وزارة البيئة!

خطوة الألف ميل الأولى نحو إنجاز استراتيجية حقيقية تبدأ باستعادة وزارة البيئة دورها التاريخي في جمع المعطيات وتحضير التصنيفات المطلوبة وتخديد الاولويات والمعايير والصلاحيات والأدوار والمسؤوليات… من دون ذلك، يحق لنا التفكير بأن التأخير في انجاز ذلك أمر مقصود لاتخاذ اجراءات عشوائية ومكلفة مجدداً، مثل توسيع المطامر الحالية او استيراد محارق لا تتناسب مع مشاكلنا وأوضاعنا البيئية والصحية والاقتصادية؟