IMLebanon

عن حزب الله الذي «قاد» الثورة و«أحبطها»

 

مرّ عام على الانتفاضة. حزب الله كان حاضراً دائماً في يومياتها. بعدما انطلقت التحرّكات بشبهة وقوفه خلفها، انكفأ سريعاً إلى خانة المشككين. لكنه بقي حاضراً، إما في شعارات المنتفضين أو في القراءة لخطابات السيد حسن نصر الله أو في تصادم مناصريه ومناصري حركة أمل مع المتظاهرين. مرّ عام على الانتفاضة، لكنها لم تتمكن من الصمود. من أراد أن يتسلّقها بدأ يبحث عن طرق أخرى. ضلّ الثوار طريقهم بسبب خلافاتهم واختراقهم، لكن حزب الله ازداد اقتناعاً بأنه كان على حق: ثمة من أراد الوصول إلى رأسه عن طريق استغلال المطالب المحقة للناس. ليس هذا فحسب، هو مقتنع بأن قلب النظام غير ممكن حتى لو قاد الثورة بنفسه

 

عبثاً حاول النائب حسن فضل الله إقناع محاوريه على القنوات التلفزيونية، التي تنقّل بينها مساء 17 تشرين 2019، بأن حزب الله ليس خلف التحركات الشعبية التي انطلقت على وقع إعلان فرض رسم 6 دولارات على اتصالات «واتساب». الاقتناع الراسخ لدى كثر كان: حزب الله ينفذّ «بروفا» لمواجهة أيّ توجهات تهدف إلى زيادة الضرائب. سعد الحريري نفسه شكّك في سيناريو كهذا، وتواصل مع حسين خليل لاستيضاح حقيقة موقف الحزب. كان فضل الله يبرّر للناس نزولهم إلى الشارع، ويدعو وزير الاتصالات السابق، محمد شقير، إلى العودة عن القرار. عندما سُئل عن مشاركة واضحة لمناصرين لحزب الله، كانت إجابته: جمهورنا جزء من الناس.

 

لم يتأخر الوقت قبل أن يتحوّل بعض هذا الجمهور، وإلى جانبه بعض من جمهور حركة أمل، إلى الموقع المواجه لهؤلاء الناس، على وقع «الشعار» الشهير: «شيعة شيعة شيعة».

 

أمل كانت سبّاقة. مناصروها لم يحتملوا اتهام زعيمهم بالفساد والسرقة أكثر من 24 ساعة. بأيديهم فتحوا الطرقات التي أغلقت في أكثر من منطقة، بعدما اصطدموا مع المتظاهرين. نفّذوا تجمّعاً في صور رافعين أعلام الحركة وصوَر رئيسها، تَقدمهم نائب المدينة علي خريس وإلى جانبه عشرات المسلحين. لم ينته المشهد هنا. انتشر القناصة على أسطح بعض المباني وتنقّلت سيارة محمّلة برشاش بين العباسية وصور. بدا ذلك أكبر من قدرة قيادة الحركة على تبريره. مع ذلك، أصدرت بياناً أكدت فيه «انحيازها لمطالب الناس وتمسّكها بحرية التعبير ورفضها للمظاهر المسلحة». لم تحرّك الأجهزة الأمنية ساكناً في حينه، لكن الحركة وعدت بـ«إجراء تحقيق لتحديد المسؤوليات واتخاذ التدابير اللازمة». مرّ عام من دون أن يُعرف مصير هذا التحقيق.

حزب الله لم يتسرّع. حاول في البداية الاستفادة من الحراك الشعبي علّه يساعده في فرض أجندة إصلاحية على الحكومة، ولا سيما أن عنوان «مكافحة الفساد» الذي رُفع أراحه.

في 19 تشرين الأول، تاريخ الخطاب الأول للسيد حسن نصر الله بعد انطلاق الانتفاضة، كان واضحاً أن الحزب يريد البناء على الحراك الذي قال عنه نصر الله إنه «عفوي وصادق وعابر للطوائف والمذاهب». أكثر من ذلك، أكد أن «لا أحد يقف وراء التظاهرات الشعبية لا أحزاب ولا سفارات». وأشار إلى أن «قوة الحركة الشعبية أنها كانت بمعزل عن الأحزاب السياسية التي تريد أن تركب موجتكم». في تلك الفترة، كان الحزب يشهد نقاشات داخلية حادّة. فئة منه تعتبر أن الحراك وشعاراته تعبّر، بشكل أو بآخر، عن مطالب الحزب وتتلاقى معه في سعيه إلى مكافحة الفساد وإقرار الإصلاحات، وفئة أخرى كانت بدأت ترى في التحرّك عناوين مشبوهة وَجَب التنبّه إليها.

بعد خطاب نصر الله الذي مثّل نقطة التحوّل في موقف الحزب في 25 تشرين الأول، جاءت استقالة الحريري في 29 منه، لتثبت للحزب جدية الخلاصات التي توصل إليها. تعامل معها حزب الله بوصفها انقلاباً ممّن نجحوا في تسلّق الانتفاضة. انتفاضة ضدّ السلطة لا يمكن أن يتصدّرها المستقبل والقوات والاشتراكي. التعبير المباشر عن هذا التبدّل في النظرة نفذ مباشرة. بينما كان الناس ينزلون عفوياً إلى الساحات للاحتفال بسقوط الحكومة، كان غضب مناصري الحزب والحركة يخرج من عقاله… هكذا بدأت الصدامات بينهم وبين المعتصمين على جسر الرينغ وفي ساحتَي الشهداء ورياض الصلح. صار حينها الفرز جليّاً. «كلن يعني كلن» كانت أكثر ما استفزّ الحزب. التحركات على الأرض كانت تعبيراً واضحاً عن طيّ صفحة التماهي مع التظاهرات. تثبيت ذلك كان ينتظر خطاب نصر الله. وقد دعا إلى خروج جمهور المقاومة من الساحات خوفاً من الاشتباك الذي قد يسبّبه السباب والشتائم. كان يؤكد، في الوقت نفسه، ضرورة أن «يبقى الآخرون في الساحات»، داعياً إياهم إلى «الحشد والبقاء والضغط على السلطة»، لكنه حذّر أيضاً من «مخطط للذهاب إلى الفوضى أو الصدام الكبير في الشارع وصولاً إلى الاقتتال الداخلي». صار الحزب ينظر إلى الشارع بوصفه شارعين، الأول طيب وصادق وعفوي، والآخر، «بناءً على المعطيات»، يحمل أجندة، وكان «يدفع باتجاه الشتم والسبّ لاستدعاء الشارع الآخر أو الشوارع الأخرى من أجل الفوضى والصدام والاقتتال الداخلي». ما زاد من قلق الحزب في ذلك الحين، كان قطع الطرقات الذي اعتبره منظّماً، خصوصاً أنه استهدف طريقي الجنوب والبقاع. ثالث المؤشرات التي أبعدت الحزب عن الشارع نهائياً كان أولئك الذين «رفعوا الأسقف السياسية إلى المدى الذي كان واضحا أن المطلوب هو تنفيذ انقلاب سياسي وأخذ ثارات سياسية وتحطيم المؤسسات والذهاب بالبلد إلى الفراغ». بالنسبة إلى الحزب، كل ما خرج عن المطالب الاجتماعية كان مشبوهاً. شكّك في أي خروج عن موضوع مكافحة الفساد ومحاكمة ومحاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة والمسروقة. مع ذلك، لم يقلّل نصر الله من أهمية ما يجري في الشارع. قال إنه «بفضل ما حصل، لا أعتقد اليوم أن أحداً يستطيع أن يحمي فاسداً، لا حزب سياسي، ولا قوة سياسية، ولا زعامة، ولا مرجعية دينية ولا مرجعية سياسية، ولا طائفة، ولا مذهب، لا يستطيع أحد الآن أن يحمي فاسدين، وهذا طبعاً تطور كبير حصل في بلدنا».

بعد عام من الانتفاضة، تبيّن أن الواقع لم يكن كذلك. الفاسدون صامدون في السلطة. وحتى المجتمع الدولي يعوّل عليهم لإصلاح ما دمروه بأنفسهم. لكن تبّين أيضاً أن الحراك كان أعجز من أن يقدم بديلاً. خلافاته التي تشبه خلافات السلطة منعت تحوله إلى قوة تغيير.

في قراءة مقرّبين من الحزب ثقةٌ بأن تقديره للموقف كان دقيقاً حينها. التحرك الذي بدأ مطلبياً، تحوّل إلى تحرك يهدف إلى إسقاط التيار الوطني الحر والعهد، ومن خلفهما حزب الله. حتى شعار «كلن يعني كلن» اضمحلّ. دور السفارة الأميركية كان واضحاً للحزب خلال عام، ولذلك لم يغيّر الاجتماع العلني الذي عقده مساعد وزير الخارجية الأميركي، ديفيد شينكر، مع مجموعة من الناشطين شيئاً في اقتناعه.

 

قلب النظام غير ممكن من وجهة نظر الحزب ولبنان لا يحتمل تغييرات جذرية

 

 

يعتقد المصدر أن الأميركيين أدركوا أن الرهان على ثورة شعبية خاسر. وهذا ليس اتهاماً لمن كفروا بالنظام وأدواته، لكنه اتهام إلى من ظنّ من أركان السلطة نفسها أنه إذا تسلق الثورة فسينجح في قيادتها إلى أجندته.

قلب النظام غير ممكن من وجهة نظر الحزب. لبنان لا يحتمل تغييرات جذرية. في تلك القراءة، حتى لو كان حزب الله نفسه من يقود الثورة، لن تكون النتيجة إلا حرباً أهلية. وبالتالي لا إمكانية للمواجهة إلا من داخل المؤسسات. ومن داخل المؤسسات، كانت المطالبة بانتخابات مبكرة حقاً مشروعاً، لكنه يحتاج إلى غالبية ليتحقق. لماذا لا تكون أولوية الانتفاضة اليوم إنجاز قانون انتخابي تمثيلي؟ النقاش في كل ذلك مشروع، لكنه لم يلغ اقتناعاً شبه عام بين المنتفضين مفاده بأن حزب الله هو الذي أحبط انتفاضتهم.

في النتيجة، الصادقون كانوا الحلقة الأضعف. وهؤلاء، إذا أجريت الانتخابات وفق القانون الحالي، لن يتمكنوا من الحصول على نائب واحد. من تسلّق انتفاضتهم هو الذي كان يطمح إلى تحسين موقعه، لكنه فشل. هؤلاء لم يعودوا قادرين على استدراج الناس إلى مواجهة، فغيّروا قواعد عملهم. وجدوا، ومن خلفهم الأميركيون، أن الضغط على حزب الله والعهد من بوابة الاقتصاد والعقوبات أجدى. ولذلك، انتهت الأحلام الكبيرة للانتفاضة إلى لا شيء.