IMLebanon

شعبوية أم عدم معرفة أم الاثنين معاً؟

 

 

أدخل تزامن الهجمات الإسرائيلية ـــ على مخيم عين الحلوة ومواقع لحزب الله في البقاع ـــ مع التحشيد العسكري الأميركي في المنطقة وتعثر المفاوضات مع طهران، لبنان في دائرة الحرب المرتقبة. استهداف قدرات صاروخية لحزب الله يجري تأهيلها للمشاركة في الحرب المرتقبة، وفقاً لمصادر إسرائيلية، وإعلان حزب الله على لسان أمينه العام عزمه على التدخل إلى جانب الجمهورية الإسلامية علقا فعلياً العمل بخطة الجيش لتنفيذ حصرية السلاح في شمال الليطاني. وإزاء تحوَل موقف حزب الله من موقف براغماتي في التعامل مع قرار حصرية السلاح ــــ استفاد من عناوين الإستيعاب والإحتواء ــــ إلى موقف إنقلابي على القرار لا يمكن للحكومة احتواؤه، يمكن القول أنً حصرية السلاح قد أُخرجت من جدول أعمال مجلس الوزراء لتستقر في جدول أعمال إقليمي دولي يرتبط تحديده بما ستسفر عنه المواجهة الأميركية الإيرانية من نتائج.

 

في هذا الإطار يصبح من المنطقي التساؤل حول تداعيات مواقف حزب الله والحرب المرتقبة على فعالية الحكومة ليس على صعيد التمسك بحصرية السلاح واستعادة قرار الحرب والسلم، بل على الإستمرار في تطبيق بيانها الوزاري في ظلّ بروز أكثر من مؤشر على اتّساع الهوة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لا سيما في مجالي الإصلاحات والإنتخابات النيابية.

يسجل للرئيس نواف سلام نجاحه في تجاوز المواجهة مع موظفي ومتقاعدي القطاع العام بعد القرارات التي اتخذتها الحكومة لزيادة رواتب وتعويضات القطاع العام والعسكريين، بإضافة 1% على الضريبة على القيمة المضافة (TVA) و300 ألف ليرة كرسم على صفيحة البنزين. تلك المواجهة التي بدأت مع تحفيز مستهجن من شرطة المجلس النيابي لمتظاهرين من عسكريين متقاعدين وموظفين من القطاع العام للدخول الى قاعات المجلس النيابي خلال جلسة مناقشة الموازنة ، بما بدا أنه أكثر من إيحاء باستخدام الشارع في الصراع الكامن داخل الحكومة.

المنهجية التي اعتمدها سلام في تبرير القرارات الحكومية لم تقتصر على المجاهرة بأنها إجراء استثنائي يؤمّن للدولة استقراراً آنياً وليست جزءاً من إصلاحٍ ضريبي تطمح الحكومة إليه، بل تضمنت مجموعة من الرسائل القاسية الموجهة إلى بعض القوى الممثلة في الحكومة والمتماهية مع حزب الله  والتي ما لبثت أن تنصلت من القرارات وانتقلت إلى موقع المزايدة فيما يتعلق بموضوع مصادر التمويل.

يُسجَّل لــنواف سلام أنّه خالف المقاربات التقليدية لمن سبقوه، سواء في الشقّ الأمني أو المالي–الإداري. فإلى جانب تأكيده زيادة عديد الأسلاك العسكرية والأجهزة الأمنية تنفيذًا لقرار حصرية السلاح وضبط الحدود شرقًا وشمالًا، لم يتوانَ عن الإشارة إلى سلسلة إجراءات وُصفت بغير المسبوقة، بعضها دخل حيّز التنفيذ وبعضها الآخر في طور الانطلاق.

ومن أبرز هذه الإجراءات إحالة أكثر من مئة شركة إلى النيابة العامة المالية بموجب قانون مكافحة تبييض الأموال، بتهمة التهرّب الضريبي المتعمّد، واعتماد مبدأ الحجر الجمركي بحق الشركات المتخلّفة عن تسديد الضريبة على القيمة المضافة. كما أُطلق التدقيق الجنائي في وزارة الطاقة، وإصدار أوامر تحصيل بحق أصحاب الكسارات والمقالع، على أن تتبعها إجراءات مماثلة بحق المعتدين على الأملاك البحرية الذين وصفهم بأنهم من أصحاب النفوذ ناصحًا إياهم بتسوية أوضاعهم سريعًا تحت طائلة الملاحقة القضائية. وفي هذا إيحاء صريح بالذهاب إلى المواجهة مع قوى الأمر الواقع إذا اقتضى الأمر.

يتقاطع مسار المواجهة في ملف الإصلاحات مع مواجهة مرتقبة في تطبيق قانون الانتخابات النيابية، في ظلّ إقفال رئيس مجلس النواب نبيه بري أبواب المجلس وإصراره على عدم إدراج مشروع قانون معجّل مكرّر يتعلق باقتراع المغتربين، والمحال من رئاسة الجمهورية إلى الهيئة العامة. المواجهة في موضوع الإنتخابات ستزداد سخونتها كلما اقترب موعد إجرائها حيث تؤكد عدم دعوة المجلس للقيام بواجبه التشريعي ليس فقط على سادية يمارسها رئيس المجلس النيابي على السلطة التشريعية خلافاً للدستور، بل على جنوح واضح لاحتواء السلطة التنفيذية وإسقاط مبدأ الفصل بين السلطات الذي تكرسه مقدمة الدستور.

لا شك أن حكومة الرئيس سلام قد نجحت إلى حد معقول في تطبيق بيانها الحكومي ــــــ بالرغم من تسجيل العديد من الثغرات لا سيما في تعيينات الهيئة الناظمة للطيران المدني ومجلس إدارة كهرباء لبنان ومديرية الجمارك حيث رضخت الحكومة ورئيسها لتسويات فرضتها تركيبتها السياسية وميزان القوى داخلها. وهذا ما يفسر بدوره الطريقة التي تعامل بها سلام مع مواقف أمين عام حزب الله والتي أفضت إلى النجاح في السيطرة على قطاع جنوب الليطاني وتسليم الحزب بذلك. لكن يبدو أن شبح الحرب المرتقبة سيؤجج المواجهة المفروضة على حكومة الرئيس سلام ـــــ وربما على شخصه بالذات كنموذج يبدو عصياً على التدجين ــــ بما قد يحوًل الإنقسام إلى أزمة حكومية تفضي إلى تعطيل مسار حصرية السلاح واتخاذ القرارات ذات الصلة.

لقد وصَف الرئيس سلام الطروحات التي انتقدت القرارات الحكومية الأخيرة بأنها تنمّ إما عن شعبوية أو عن عدم معرفة، لكن يبدو أن المواقف المرتقبة لا سيما في موضوعيّ الإنتخابات النيابية ودخول حزب الله الحرب إلى جانب إيران ستقدم مزيجاً من الشعبوية وعدم المعرفة في آن معاً.

 

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات