IMLebanon

تاريخي فعلاً

 

 

الفيديو الذي أحيتهُ الزميلة جريدة «الأنباء» هو أكثر من مجرد شريط رائع من ذلك الزمن الجميل، إنه وثيقة تاريخية يجب أن تُدَرّس في معاهد وكليات السياسة، وأن تكون ذخيرة يُعلّقها في الأعناق معظم جماعة هذا الجيل اللبناني السياسي الهجين.

 

لم يكن الفيديو ساحة حرب بين ثلاثة من كبار أقطاب ذلك الزمن، إنما مساحة رحبة لتبادل الآراء والأفكار، مُنطلقُه انطباع رشيد كرامي وكمال جنبلاط وريمون إده، من دون الألقاب وحِفظها (فكل منهم أكبر من أي لقب) جمعتهم شاشة تلفزيون لبنان بقيادة الإعلامي الرائع عادل مالك، ليعرضوا انطباعاتهم عن زيارة قاموا بها إلى الاتحاد السوفياتي تلبية لدعوة من الكرملين، في مطلع عهد الرئيس الراحل سليمان فرنجية.

 

إذ تشاهد الفيديو تجد نفسك في حضرة الاحترام والوطنية الصافية والحرص على المصلحة العامة، والفكر الرؤيوي، والـ «لاتبعية» لقريب أو بعيد. وأمام إعلامي كبير ليس ألعباناً، ولا هو مهرج، فقط هو يُدير الحوار بمسؤوليةٍ ورصانةٍ وجدّية، وبابتعاد عن التكلّف، وبمساواةٍ تلقائية مع ضيوفه من القامات الرفيعة جداً في جوٍ طبيعيٍ من الاحترام المُتبادَل، ولاسيما احترام عقل المشاهد.

 

لست في مقام عرض مضمون المقابلة، إذ هي في متناول رواد الفضاء الإلكتروني الرحب، فقط أنا في مجال التشديد على الغضب والقهر كوني مدفوعاً إلى المقارنة بين تلك القامات وذلك اللبنان وما نعيشه اليوم من واقعٍ لم نكن نتخيّل، ولو في أبشع الكوابيس، أننا سنصل إليه فيسحقنا لتنتعش جماعةٌ من الوصوليين والمنافقين والكاذبين والمتاجرين بكل شيء، أجل بكل شيء، من أجل تحقيق مصالح آنيّة، حقيرة وصغيرة بالطبع، مثل الذين يحققونها.

 

ولم تكن مصادفة أن يكون هؤلاء الثلاثة عرضةً للاغتيال الذي أدى إلى استشهاد اثنين منهم، وحمت العناية ثالثهما، وبالطبع ليست مصادفة أن يكون الاستشهاد حصل خلال الحرب لمنع التوصّل إلى توافقٍ وطني. فكمال جنبلاط سقط صريعاً إثر اجتماعٍ عقده والشهيد الآخر الشاب بشير الجميل. ورشيد كرامي سقط صريع الوحدة الوطنية إثر توصّله إلى توافقٍ مع الرئيس كميل شمعون الذي بدوره نجا من محاولة اغتيال للسبب ذاته. وأما ريمون إده، فقد فشلت محاولة اغتياله لأنه كان بين القلّة التي لم تقتنع بمشاريع التقسيم…

 

تحيةً وشكراً إلى «الأنباء» التي استحضرت لنا من لبناننا الذي كان فريداً في الصدارة واستنسخوه بهذا المسخ الذي كُتِب علينا أن نكون فيه اليوم.

 

والتحية والمجد إلى أرواح أولئك الفرسان الثلاثة والكثيرين من رفاق دربهم الكبار: إلى روح الزعيم في العالم الإسلامي قدر ما كان زعيماً في لبنانيته رشيد كرامي، وإلى روح القطب العالمي واللبناني كمال جنبلاط، وإلى روح استاذ الديموقراطية على المستويين العالمي واللبناني ريمون إده.

 

وكلمة أخيرة: هنيئاً لكم، حيث أنتم، في دنيا الخلود، لأنكم غادرتم قبل أن تروا وتعيشوا ما نراه ونعيشه في هذا الزمن الرديء.