• Subscribe to newsletter

أزمة اللاثقة بين مسيحيي 14 آذار والحريري

 

كتبت هيام القصيفي في “الأخبار”:

خلقت التسوية بين الرئيس سعد الحريري ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية أزمة بين الحريري ومسيحيي 14 آذار. أزمة اللاثقة ستكون عنوان المرحلة المقبلة، مهما كانت نتيجة التسوية.

«رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية رئيساً قبل نهاية العام الجاري». يكاد يجزم تيار المستقبل بذلك. «سليمان فرنجية لن يكون رئيساً»، يؤكد، بقوة، معارضوه الذين أصبحوا مزيجاً من قوى 8 و14 آذار.

وبغض النظر عمّن سيكون على حق، وقبل أن تتضح معالم رئاسة الجمهورية وعمّا إذا كان فرنجية سيكون الرئيس الخامس في جمهورية الطائف لينهي شغوراً رئاسياً دام أكثر من سنة وستة أشهر، ثمة نقاش، في مكان آخر، عن الأضرار التي وقعت في صفوف 8 و14 آذار. ترشيح فرنجية لم يخلط الأوراق بين الطرفين، بل ضرب العلاقة بين المكوّنات الأساسية في كلا المعسكرين، وهو أمر لن يكون من السهل معالجة ذيوله، سواء انتخب زعيم المردة أو لم ينتخب.

فأن يكون فرنجية مرشحاً للرئاسة، أو أن يأتي رئيساً، بفعل «انقلاب» من قوى 8 آذار على فريق 14 آذار، بسيناريو يشبه 7 أيار، كان يمكن أن يكون أخفّ وطأة على قوى 14 آذار، من أن يكون الرئيس سعد الحريري عراب الترشيح، بصمت و»تقية» مطلقتين. ما حصل وما يحصل من ردود فعل على ما قام به الحريري يتعدّى التسليم بسيناريو رئاسي وبتسوية إقليمية ودولية تنهي الشغور الرئاسي. سياسيون وإعلاميون ممن روجوا وسوّقوا لفكرة 14 آذار ولزعامة الحريري لـ»ثورة الأرز»، ووزّعوا الاتهامات يميناً ويساراً لكل من انتقد أو خرج عن عباءة الزعامة الحريرية، هم اليوم أولى ضحايا انقلاب الحريري الثاني بعد زيارته سوريا ونومه في ضيافة الرئيس السوري بشار الأسد. وكل التبريرات التي تعطى اليوم، لا يمكن أن تقنع هؤلاء، ممن انتموا إلى فريق 14 آذار منذ عام 2005، بما يقوم به الحريري بالتكافل والتضامن مع الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط.

لكن المشكلة أن أحداً من تيار المستقبل الذي يدافع عن فكرة ترشيح الحريري لفرنجية، لا يبدو معنياً بكل ما يقال ويكتب وتتداوله صالونات 14 آذار المقفلة والعلنية. يغامر الحريري بكل رصيده المسيحي في ذهابه إلى تحدي المكونات المسيحية في الفريق الذي ينتمي إليه، من أجل تسوية لم يحصد منها حتى الآن إلا معارضة قوى 14 آذار لها. وهو يغامر بكل الشخصيات المستقلة التي وقفت إلى جانبه في عز التضييق عليه، وبالحلفاء الذين وقفوا معه بعد 7 أيار، وأولهم القوات اللبنانية. مشكلة الحريري اليوم هي أن لا ثقة مسيحية به بعد لقاء باريس، ليس بسبب قيامه بتسوية يرى أنها مفيدة ويعتبر أن المسيحيين أخطأوا بعدم الاتفاق على رئيس للجمهورية خلال سنة وستة أشهر، بل لأنه، خلافاً لفرنجية، لم يطلع أحداً من حلفائه على ما يرسم من تسوية مع بري وجنبلاط.

بتسويته هذه يضع الحريري نفسه في مكانة العداء للمسيحيين (بعدما استعدى طويلاً مسيحيي التيار الوطني الحر)، أو الأكثرية المسيحية التي ترفض أن يقرر الحريري ما يراه مناسباً لعودته إلى السرايا الحكومية على حسابها ورغماً عنها، وباستخدام ملء الفراغ الرئاسي وسيلة لعودته إلى بيروت. وللتذكير، فإنه يوم كان العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع والرئيس أمين الجميّل في السجن أو في باريس، كان البطريرك مار نصر الله بطرس صفير يتحدث باسم المسيحيين. وحين زاره الرئيس رفيق الحريري، في 6 آذار 1998، قال له عبر مذكرة رسمية إن «المسيحيين عامة والموارنة خاصة لا يقبلون بعد اليوم بالوضع الراهن الذي يغيّب دورهم ودور مرجعياتهم». الكلام نفسه يمكن أن يقال اليوم للحريري الابن، ولو عن غير لسان بكركي التي تتردد أنباء عن موافقتها على ترشيح فرنجية.

القصة اليوم ليست اختيار اسم المرشح سليمان فرنجية فحسب، بالنسبة إلى قوى 14 آذار، بل هي أيضاً ما يمكن أن يخلقه خيار الحريري السير من دون حلفائه في تسوية، ولو كانت إقليمية ودولية، من تداعيات على مستوى العلاقة والشراكة بين الحريري بما يمثل والمسيحيين. فمن صاغ تسوية على هذا النحو، لا يمكنه أن يتوقع أن تكون 14 آذار بعد لقاء باريس هي نفسها كما كانت قبله. وهذا الفريق ليس مستعداً في كل مرة أن يلملم آثار الخيبات المتتالية على جمهوره وعلى وسطه السياسي.

في المقلب الآخر، لا يمكن أيضاً نفي التداعيات التي أحدثها خيار فرنجية وتقدمه على العلاقة بين التيار الوطني الحر والمردة، مهما كابر الطرفان في نفي أي تداعيات لها، وخصوصاً في الشمال. وهو أمر سيرتدّ أيضاً عليهما مهما كانت نتيجة هذه التسوية.

لكن بقدر ما هي الأضرار التي وقعت حتى اليوم كبيرة، يمكن الكلام أيضاً عن الأضرار الواقعة حتماً إذا لم تنجز التسوية.

كلام السفير السعودي علي عواض العسيري الذي عاد إلى لبنان، أثناء زيارة مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي أكبر ولايتي، بأن الرياض «تدعم أي مرشح يجمع عليه الأشقاء اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً»، أثار الارتياح في الفريق المسيحي المعارض لتسوية الحريري، وأثبت بحسب مصادر هذا الفريق صحة ما كانت تقوله منذ أيام بأن السعودية لن توافق على التسوية من دون رضى حلفائها المسيحيين، أي القوات اللبنانية.

لكن تحول فريق القوات والتيار فريق ممانعة للتسوية، يطرح أمامهما تحدياً أكبر من مرحلة ما قبل الاتفاق بين الحريري وفرنجية. لأن عرقلة وصول فرنجية شيء والانتقال إلى مرحلة إنجاز الاستحقاق الرئاسي شيء آخر. والاكتفاء المسيحي بمنع وصول فرنجية لا يعني التوصل إلى حل لأزمة الرئاسة. والتبرير الذي يعطيه الحريري بأنه يهدف من تسوية فرنجية إلى إنجاز الاستحقاق الذي لم يقدر عليه المسيحيون، سيكون حينها في محله. وأي فشل للتسوية من دون تقديم عون وجعجع بدائل، سيعيد الأمور إلى النقطة الصفر مجدداً.