IMLebanon

كيف غيّبت ولاية الفقيه معالم فلسطين؟

«ودان الملك ليكو وشاع الكفر فيكو وزاد الفجر بيكو وعملتوا إسلامين وكفرتوا الإمام وطفشتوا الحمام خلاصة الكلام.. يزيد ولا الحسين؟» (أحمد فؤاد نجم)

عندما عاد الخميني ظافراً إلى إيران، واحتلت الجموع الغاضبة السفارة الأميركية في طهران هلّلنا وكبّرنا لأن قضية إذلال المستكبر الأميركي تحولت إلى مسألة أممية وحدت كل مستضعفي الأرض، فبعد الفرار الأميركي المخزي من سايغون يوم سقطت على أيدي أبناء «هو شي منه» سنة 1975، أتت سنة 1979 بانتصار جديد للشعوب المقهورة وهزيمة جديدة للمستكبر.

لكن بالنسبة لنا نحن العرب فقد كان الحدث الأهم هو منح مقر سفارة إسرائيل في طهران لمنظمة التحرير الفلسطينية كعربون التزام كامل وصريح للإنحياز الإيراني الإسلامي التقدمي إلى قضية العرب الكبرى بعد عقود اعتبرت فيها إيران الشاهنشاه حليفاً وثيقاً لمغتصبي فلسطين.

لم يهتم معظمنا بمذهب القائد الجديد لإيران، ولم يأبه بخلفيات ثورتها العقائدية المذهبية، فكنا بكل بساطة مستعدين لأن نصبح «جنودا في ولاية الفقيه» حتى ربما قبل أن يقرر حسن نصر الله تبعيته لها!؟

أذكر أن الكثيرين من المنظرين الملتزمين بيساريتهم إلى حد العمى، بدأوا يفلسفون صعود «الإسلام الثوري» ويضعونه في إطار يسارية وثورة الإمام الحسين ضد «الطاغية المستبد يزيد». اعتبر هؤلاء هذا الحراك بديلاً مقبولاً في عالم المسلمين عن العقائد المستوردة من أوروبا في أواسط القرن التاسع عشر من «جوزيبي منزيني» القومي أو «كارل ماركس» الشيوعي الأممي.

لا تزال أغنية الشيخ إمام من شعر أحمد فؤاد نجم تتردد في مسمعي:

«دا شيعة وإحنا سنة، دا فين ومصر فين؟

عايزين يدخلونا نظام ودنك منين

وناس تقول شيوعي وعامل نفسه شيعي

عشان خايفين طبيعي لا يبقوا ثورتين..»

الواقع هو أن إيران الولي الفقيه تمكنت بسهولة مذهلة من التسلل إلى قلوب العرب من سنة ومسيحيين حتى قبل بعض الشيعة المشككين بولاية الفقيه! وحتى عندما انقسم شيعة لبنان وتقاتلوا حول التبعية لولي فقيه موحد كما حدث في حرب حركة «أمل« مع «حزب الله« الدموية، فقفد كان معظمنا يؤيد أتباع إيران.

تسللت إيران الولي الفقيه إلى قلوبنا من بوابة فلسطين، فتجاوزنا المذاهب والعقائد، وتخلينا عن الحساسيات القومية واليسارية الملحدة، ورحبنا بالخميني زعيماً وديكتاتوراً، حتى بعد أن نكل وهجر وشنق حلفاءه في إيران من يساريين ومدنيين وديموقرطيين، وخلقنا له الأعذار ناعتين ضحاياه بأعداء الثورة! 

منذ أيام قرأت خطاب حسن نصر الله في مناسبة تتعلق بفلسطين، علني أجد فيه مراجعة للمسار فيها بعض النقد الذاتي، أو طرح علمي منطقي لا يستند للأساطير يمكنه أن يصلح الأحوال ويوقف الإنهيار العملي لقضية فلسطين التي كانت هي أساس تصدر صورة نصر الله الشيعي الجندي في مشروع ولاية الفقيه، صالونات بيوت الملايين من السنة العرب، قبل أن ينزعوها غضباً وأسفاً على مدى عمر الثورة في سوريا التي حولت الأمين العام لـ»حزب الله« من بطل أسطوري إلى زعيم عصابة مسلحة تقتل وتخرب لحماية منظومة حكم وتسلط كانت هي في أساس تدهور قضية فلسطين.

لكن ما قاله نصر الله في خطابه كان كما توقعت، مجرد اجترار ممل لكلام لا يختلف كثيرا عما قاله غيره من قبله. باختصار فقد حمل كالعادة الآخرين أسباب الإنكسار، ونسب لمشروعه الإنتصارات الوهمية، متخفيا كالعادة بشرعية عباءة فلسطين!

أنا لا أظن أن مشروع ولاية الفقيه لا يرغب في تحرير فلسطين ولا أظن أن شعاراته كاذبة، فأصحابه يعلمون أن نجاحهم سيكون مدخلا واسعا لتسيد العرب والمسلمين من سنة وشيعة وغيرهما، لكن ما فاتهم هو أنهم يستعملون العدة ذاتها التي استعملها قبلهم آخرون سنة ويساريون وقوميون وفوضويون ففشلوا، وبدل البحث في تصحيح المسار لجأوا إلى اختلاق معارك في كل اتجاه فخربوا كل شيء ونسوا فلسطين، وبقيت فلسطين وحيدة غريبة عن أهلها.

سنة 1975 أحرق أخرق يهودي متعصب المسجد الأقصى فلم يحرك لا السنة ولا العرب ولا اليساريون ولا القوميون ساكناً للرد على الجريمة!

منذ أسابيع دنس الجنود الأعداء المسجد الأقصى عن سابق إصرار وتصميم، فلم يحرك العرب المشغولون بمصائبهم ساكنا وفي الوقت ذاته لم توجه صواريخ آية الله إلى تل أبيب بل بقيت موجهة إلى مكة، ولم نسمع بشهيد إيراني في عملية موجهة ضد العدو، في حين يسقط مئات الإيرانيين دفاعا عن أنظمة كانت ولا تزال أهم داعم لغطرسة إسرائيل التي استفردت بفلسطين ودنست المسجد الأقصى.

() عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل»