IMLebanon

كيف يجنّد «الموساد» سورياً معارضاً.. وما هي الأهداف؟

«العميل المفتاح» موظف في «اليونيفيل».. ويتمتع بحصانة

كيف يجنّد «الموساد» سورياً معارضاً.. وما هي الأهداف؟

بعد انحسار موجة توقيف الشبكات الإسرائيلية، في السنوات الأخيرة، لمصلحة إلقاء القبض على مجموعات إرهابيّة محسوبة على تنظيمي «داعش» و «النصرة»، عاد موضوع ملاحقة المتعاملين مع «الموساد» إلى واجهة الاهتمام الأمني، مع تسجيل ظاهرة لافتة للانتباه مفادها وجود أهداف مشتركة بين الشبكات التكفيرية والإسرائيلية.

ولعل أهميّة شبكة التعامل مع العدوّ التي كشفتها المديريّة العامة للأمن العام تكمن في القبض على أوّل نازح سوري الى لبنان يعمل لمصلحة «الموساد» الإسرائيلي ويستحصل منه على الأموال عبر حوالات خارجيّة، تماماً كما يستحصل على الأموال من بعض الفصائل السوريّة المعارضة، لعمله معها، عبر حوالات من الخارج!

وبالإضافة إلى السوري وزوجته اللبنانيّة، فقد تمّ التحقيق ـ جزئياً ـ مع «مفتاح» هذه الشبكة: لبناني يعمل منذ 30 عاماً مع الأمم المتحدة في لبنان وحالياً هو موظف محاسبة في قسم الماليّة في القيادة العامة لقوات الطوارئ الدوليّة في الناقورة، إلى جانب عمله في مجال التبشير لمعتقدات شهود يهوا. والمستغرب أنّه تمّ التريث بالبتّ بوضعه القانوني بالإضافة إلى عدم استكمال التحقيق معه إلى حين رفع الحصانة الدولية عنه، علماً أنه محتجز بصورة مؤقتة لدى «اليونيفيل» في الناقورة.

ففي 27 تشرين الأوّل الماضي، أوقف الأمن العام بعد مراجعة القضاء المختصّ السوري ر. السيّد (مواليد حلب 1980) للاشتباه به أمنياً ولكونه موضوع ملاحقات عدليّة عدّة بجرم السرقة. ومع توقيفه، كرّت سبحة اعترافاته.

أقرّ الرجل، الذي يملك مقهىً بالقرب من «ساحة القدس» في صيدا، بارتباطه بالعميل الإسرائيلي من أصل لبناني طنوس الجلاد (يتولّى حالياً مسؤوليّة ملفّ تجنيد العملاء في «وزارة الدّفاع» الإسرائيلية) وبتكليفه في مجال الاستطلاع وجمع المعلومات لاستهداف شخصيات سياسية وعسكريّة ودينية ومراكز حزبية وعسكريّة.

وبرغم ما يكنه من عداء لـ «حزب الله» وكل من يدور في فلكه وقبوله بتنفيذ عمليات مراقبة لعدد من المقربين من الحزب، إلا أنّ لائحة الاستهدافات، التي كلّفه بها الجلّاد، لم تبقَ في إطار مراقبة الشيخين ماهر حمود وصهيب حبلي والنائب السابق أسامة سعد و «مجمع الزهراء» التابع للشيخ عفيف النابلسي ومراكز تابعة لـ «حزب الله» في منطقتي صيدا وحارتها وتحركات مسؤوليّه، وفق اعترافاته.

العدو الإسرائيلي كان يخطّط أيضاً لاغتيال المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم واستهداف الجيش اللبنانيّ. إذ إنّ السيّد كشف أنّ الجلاد أوكله مهمّة جمع المعلومات ومراقبة موكب عباس ابراهيم إبان مروره في صيدا في طريقه إلى مسقط رأسه كوثرية السياد، فضلاً عن مراقبة نقاط تمركز الجيش اللبناني في صيدا وتحرّكات الدوريات العسكرية.

وبعد أقلّ من 48 ساعة على توقيف السيّد، كان شخصان يجلسان في مقرّ التحقيق التابع للأمن العام، هما: زوجة الموقوف اللبنانيّة س. شكر (معروفة بأنّها خطيبته) وصديقه اللبناني هـ. مطر. وأكّد الإثنان خلال التحقيق معهما أنهما على معرفة مسبقة بعلاقة السيّد بالعدوّ الإسرائيلي.

في البدء، ظنّت شكر، وهي من البقاع الأوسط، أنّ زوجها قد تمّ توقيفه بسبب آرائه السياسيّة وعلاقته الوثيقة ببعض وجوه المعارضة السورية أمثال (ج. خ) و(م. أ.) الذي تلقّى منه حوالات ماليّة كمساعدات شخصيّة. ولذلك حاولت الاتصال بأكثر من شخص في لبنان لمحاولة الإفراج عنه، فيما كان أحد المحامين يشن حملة عبر «الفايسبوك» متهماً الأمن العام بـ «تركيب وفبركة» الملف لأسباب سياسية.

ولكن بمجرّد توقيف س. شكر، شكّلت إفادة الموقوفة ذات الميول اليساريّة السابقة والداعمة للمعارضة السورية، إثباتاً آخر على التّهمة المسندة إلى زوجها، مؤكدةً معرفتها بالمهام الموكلة إليه، ومعدّدةً الأسماء التي أخبرها زوجها بأنّه يقوم بجمع المعلومات عنها ومراقبتها.

كيف بدأت حكاية التّعامل؟

لم يتعب الجلاد كثيراً في تجنيد السيّد. إذ إنّ الموضوع لم يتطلّب منه إلا كبستين: طلب صداقة شكر والسيّد في العام 2014، عبر مواقع التواصل، ليتبيّن أنّ سبب التجنيد يعود إلى علاقة السيّد بمطر، الذي تعرّف عليه عن طريق اللبناني ر. ش. (من الكورة) لكون الإثنين يعملان في مجال التبشير بمعتقدات شهود يهوا. فالجلاد ومطر من بلدة عين إبل وتربطهما علاقة قرابة عن طريق زوجة الثاني، بالإضافة إلى أنّ مطر قد دخل لأكثر من مرّة إلى الأراضي الفلسطينيّة بصورة غير شرعيّة لزيارة عدد من الأشخاص ومن بينهم عمته المتأهلة من شخص فلسطيني حاصل على الجنسية الإسرائيليّة، بحسب ما ادَّعى.

المحادثات بين الجلّاد والسيّد أنتجت ما يشبه «علاقة الصداقة». وما إن شعر السيّد أنّ بإمكانه كسب المال عبر الرجل الموجود في فلسطين المحتلّة، حتى طلب منه مبلغ 500 دولار أميركي بحجّة أن والدته الموجودة في سوريا مصابة بمرض السرطان.

ولأنّ الموقوف السوريّ يعلم أن الجلاد لن يعطيه المال مجدداً مقابل لا شيء، فقد فاتحه بنفسه بإمكان تقديم خدماته من خلال العمل لمصلحة «الموساد»: «باستطاعتي مراقبة الشيخين ماهر حمود وصهيب حبلي كونهما يقيمان بالقرب من منزلي (يقيم في شارع غسّان حمود في صيدا ومكان عمله في ساحة القدس)».

وأكّد السيّد، خلال التحقيق معه، أنّه حاول إقناع مشغّله بما يمكن أن يكسبه إذا ما تمّ التخلّص من الشيخين، مؤكداً له أنّ «استهدافهما من شأنه أن يوجّه ضربة قاسية لـ «حزب الله» في صيدا لما يتمتعان به من حيثيّة داخل الأوساط السنيّة المؤيّدة للمقاومة.

هذه الخدمات عرضها السيّد على مسؤول التجنيد الإسرائيلي بالمفرّق، إلى أن اتفّقا على قيامه بجمع المعلومات واستطلاع أهداف تابعة لـ «حزب الله» والجيش اللبنانيّ.

.. واتّخذ قرار الاغتيال

بعد مدّة، كان لدى السيّد معلومات كافية ووافية عن تحرّكات حمود وحبلي: سياراتهما، عدد مرافقيهما، أوقات تحرّكاتهما. تلقّى المشغّل الإسرائيلي هذه المعلومات بلغة مشفّرة عبر «فايسبوك» إلا أنّ أمر الاغتيال ليس بيده، بل عليه أخذ موافقة «الموساد».

وفي تموّز 2015، كان القرار قد اتخذ: اغتيال حمّود. أمّا تفاصيل المخطّط فقد بقيت بحوزة «الموساد»، إذ أبلغ الجلاد السيّد أنّه سيرسل شخصاً من قبله (لم يفصح عن اسمه) للقائه بالقرب من «مجمّع سبينس» في صيدا بغية تزويده بجهاز محمول وهاتف خلوي ومبلغ من المال، على أن يطلعه هذا الشخص على كامل مخطّط الاغتيال، لكن الموقوف، وبحسب إفادته، رفض لقاء هذا الشخص خشية رصده من قبل الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة التي أصدرت مذكرات توقيف بحقه.

أما الموضوع المالي فظلّ عالقاً. كان السيّد يريد مقابلاً مادياً عن خدمات المراقبة، فوجد سريعاً الحلّ: شركة تحويل الأموال «وسترن يونيون» الذي رفضه الجلّاد لأنّه ما زال في مرحلة بناء الثقة مع الرجل، ولا بدّ أن يلتقيه أحد العملاء الأمنيين في لبنان ليتمّ تقييمه أمنياً قبل البدء بالتحضير لمخطّط الاغتيال وقبض المال لاحقاً. فيما كان السيّد استلم العديد من الحوالات النقديّة التي أرسلت إليه من مشغليه عبر دول أجنبيّة (أوروبا وأميركا).

إذاً، لم يبقَ أمام الرجل إلا السفر لملاقاة مشغّله الإسرائيلي خارج لبنان. إلا أنّ المشكلة أنه لا يمكن استخدام مستنداته السوريّة لأنه مطلوب للسلطات اللبنانيّة بموجب مذكّرات توقيف عدليّة بجرم السرّقة، فطلب عوضاً عن ذلك مستندات مزوّرة.

في المقابل، وجد الجلّاد حلاً أبسط من تزوير المستندات من خلال انتقاله إلى فلسطين المحتلّة حيث سيلتقيه وضابط «الموساد» المشغّل. ونصحه أيضاً بأنّ يتوجّه إلى ابن بلدته هـ. مطر لمساعدته في الدخول إلى المقر العام لـ «اليونيفيل» في الناقورة، ومنها إلى الداخل الفلسطيني.

وبالفعل، ما إن عرض السيّد الأمر على صديقه الذي كان يتردّد إلى منزله والمقهى الخاص به، حتى قَبِل بالمهمّة.

وفي بداية العام الحالي، كان مطر بسيارته «المرسيدس» لون فضيّ ينتظر السيّد أمام المقهى الذي يستثمره في «ساحة القدس». وذهبا معاً مرتين إلى بلدتي عين إبل ورميش من دون أن يستحصل الموقوف على تصريح يخوّله دخول قطاع جنوب الليطاني (باعتباره غير لبناني)، مستفيداً من حصانة مطر الدولية.

وفي الطريق، كان السيّد يقوم بالتقاط صور فوتوغرافيّة وتسجيلات فيديو لنقاط ومنازل محدّدة ومنها منزل الجلاد نفسه بالإضافة إلى تصوير بوابة «الجدار الطيّب» في بلدة رميش والتي كانت تستخدم في السابق للعبور وتهريب المخدرات بين لبنان وفلسطين المحتلة.

وما إن وصل إلى إحدى قرى الشريط الحدودي والتقط جهاز هاتفه الشبكة الإسرائيليّة، حتى قام الرجل وبحضور مطر بإرسال الصور ومقاطع الفيديو إلى الجلّاد، وأخبره بصعوبة الانتقال إلى فلسطين المحتلة عن طريق مقرّ «اليونيفيل» في الناقورة، بسبب الإجراءات الأمنيّة والحواجز المنتشرة على طول الطريق مستعيضاً عنها بدراسة مخطّط يقضي بتهريبه إلى داخل فلسطين المحتلة عبر «الجدار الطيب» أو احدى نقاط الضعف على طول الخط الحدودي.

الملف في عهدة القضاء

وهذا أيضاً ما أكّده مطر في إفادته أمام الأمن العام، اذ أشار إلى أنّ السيّد أخبره منذ حوالي الأربعة أشهر بأمر تجنيده من قبل العدو بواسطة الجلّاد.

وبعد أن أنهى الأمن العام تحقيقاته اطلع عليها مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكريّة القاضي صقر صقر الذي طلب توقيف السيّد وشكر بجرم التعامل مع العدو، والتريّث بالبتّ قضائياً لجهة مطر، وتسليم الأخير إلى منظمة الأمم المتحدّة لحين رفع الحصانة عنه ليصار إلى الادِّعاء عليه من قبل النيابة العامة العسكريّة.