… وإن اجتمع الموارنة

 

«اجتماع تشاوري وجداني»، مجرّد وضع لقاء النواب الموارنة تحت هذا العنوان يجعل المواطن اللبناني لا يُعلّق آمالاً ولو ضئيلة على الاجتماع الماروني اليوم في بكركي بدعوة من البطريرك بشارة الراعي وهذه ليست المرّة الأولى ولا الأخيرة التي يحتشد فيها الموارنة في بكركي، لطالما صعّد الموارنة باتجاه بكركي في هكذا أوضاع سياسيّة مقلقة ومعقّدة، ولكن غالباً لم تثمر اجتماعاتهم وغالباً أيضاً ما أعلنوا أنّها تركوا اجتماعاتهم مفتوحة، وغالباً للمرّة الثالثة لم تسفر عن نتائج جدّية تضع نهاية سعيدة للأوضاع المأساويّة!

 

في العقود الثلاثة الأخيرة تداعى الموارنة إلى بكركي وهم في حال تنازع فيما بينهم، ونقلوا معهم في تداعيهم تداعيات صراعاتهم ونزاعاتهم التي بلغت حدّ الدم، كمواطنة لبنانيّة لا أتوقّع ولا أنتظر شيئاً من اجتماع الموارنة، عقدة المشكلة اللبنانيّة لم تعد لا في الموارنة ولا في السُنّة ولا في الدروز، العقدة اللبنانيّة اليوم في اليد الإيرانيّة المتمثّلة في «الثنائيّة الشيعيّة»، عقدة لبنان اليوم في يدِ حزب الله الإيراني، وكل محاولات التوصّل إلى حلول لن تفضي إلى نتيجة ولا إلى تشكيل حكومة، لا يزال الشّوط بعيداً حتى نصل إلى الإفراج عن تشكيل الحكومة، البلد مختطف ومن يُريد أن يُنكر هذه الحقيقة فهذا شأنه، القفازات السياسيّة لم تعد تجدي نفعاً إذ نحن على عتبة انفجار أميركي ـ إيراني، ولن ينجو لبنان «السّاحة» من نيرانه!

 

يُصعّد النوّاب الموارنة صوب بكركي اليوم حاملين إنقسامات ولاءاتهم وبكركي تعرف هذه الحقيقة أكثر من الجميع، في أواخر ثمانينات القرن الماضي تداعى النواب والقيادات الموارنة إلى بكركي، أمضى اللبنانيّون أشهراً وهم يتفرّجون على النوّاب الموارنة وهم يقفون على عتبة الصّرح ويدلون بتصريحاتهم منذ أيلول العام 1988 دخل الموارنة ـ كما أراد الاحتلال تماماً ـ دوّامة تهديد وجودهم على رأس الجمهوريّة، كلّ الكلام والاجتماعات التي بقيت مفتوحة أسفرت عن حربيْن مدمّرتيْن أوصلتا إلى اتفاق الطائف «السفينة المثقوبة»، وهذا التداعي سيتكرّر مراراً، منذ العام 1991 وحتى اليوم، ومن دون طائل!

 

منذ «قرنة شهوان» وحتى اليوم، من استطاع أن يغيّر حرفاً فيما كتبه الاحتلال السوري سابقاً والاحتلال الإيراني اليوم، ماذا هل باستطاعة النواب المتحالفين مع حزب الله أن يطالبوه بالإفراج عن «تشكيلة الحكومة»؟ نشك في ذلك فهؤلاء يتجنّبون حتى الغمز من قناة حزب الله، سيبقى لبنان من دون حكومة، وسيدفع الذين شكّلوا غطاء لإيرانيّة حزب الله منذ العام 2005 ثمن هذه الخطيئة الجسيمة لأنّهم غطّوا وتسبّبوا في دخول لبنان في حال تعطيل وشلل تام كانوا فيها شركاء كاملين لحزب الله، وظنّوا خطأ أنّ باستطاعتهم تعطيل مفاعيل التعطيل الإيراني الذي حوّلهم إلى مجرّد أداة في خدمته ومن الممنوع أن يتجاوز دورهم هذه الحدود المرسومة!

 

تستحقّ خطوة البطريرك الماروني الثناء عليها، وأغلب ظنّنا أنّ غبطته أكثر العارفين أن مشكلة لبنان ليست في عدم «تشكيل حكومة» حتى الآن، حتى الحكومة العتيدة إن

لبنان في مأزق كبير لا يزال بارداً حتى الآن، ومستقبل وضعه كحال العراق والعقوبات التي فرضت عليه، هذا الاستسلام اللبناني لواقع يفرضه حزب الله بقوّة السلاح لا تجدي معه لا استراتيجيا دفاعيّة، مثلما لن تجدي معه أيضاً مفاعيل «لقاء تشاوري وجداني»!

تشكّلت لن يكون بمقدورها أن تكون أكثر من حكومة تصريف أعمال متى وضعت العصيّ في دواليبها، وهو أكثر العارفين أنّ مشكلة لبنان الكبرى اليوم هي حزب الله وأجندته الإيرانيّة وسلاحه، وأنّ هذه المشكلة أكبر من لبنان بكثير ومن كلّ طوائفه وقياداته وأنّه عاجز حتى عن تناولها والتحدّث حولها، وأنّ مشكلة حزب الله وأجندته أكبر من المنطقة عربيّاً وإقليميّاً، وأنّها مشكلة دوليّة معقّدة جدّاً وأنّ العالم لا يريد أن يتحمّل مسؤولياته تجاه «الجنون الإيراني»، وأنّ حلّها لن يكون إلا عن طريق حرب مدمّرة لا تبقي ولا تذر في المنطقة.