في أشياء الأسد

 

لا يزال أمر تحمّل أحوالنا وعادياتنا وشؤوننا السارحة نزولاً في كل مجال ومدار صعباً ولا يُحتمل وولاّد قنوط وأسى طافحين وفائضين.. لكن ما يُخفّف الوطء ويلطّف نتوءاته الحادة وتأثيراته الهوجاء هو ذلك المَدَد الذي يتواصل من الجهة السورية! حيث الروايات والحكايات الأسدية تحفر عميقاً في النفوس وتلتقط من بين ثناياها السوداء محفّزات الهزل والانشراح.. وعلى الطريقة المصرية المألوفة!

 

أشياء الأسد الابن الكثيرة تسلّي اللبنانيين! وتذكّرهم في كل حين أن أحوالهم على بؤسها وعبثيّتها، لا تُقَارَن بالبؤس والعبث الكامشَين بعموم السوريّين جرّاء أشياء بقايا سلطتهم! بل يمكن الظنّ بحبور نسبي أن المشاكل المتأتية عن التفرّعات الطائفية والمذهبية والسياسية المحلية ظلّت على الدوام محكومة بلغة جدّية ومهمومة بالوصول إلى العقل بعد الغرائز والعصبيّات المتأجّجة.. تدقّ بها وتستثيرها بالتعبئة والعواطف الانتمائية الأولى وتقدّم في موازاة ذلك ما يكفي من حجج لتبرير كل ذلك العدم.. لكن أحوال السوريين مع بقايا سلطتهم لا تملك شيئاً من كل ذلك الترف! بل أن تهتّك البيان والكلام والخطاب يوازي إن لم يكن يبزّ استسهال “رئيسهم” الفتك بهم كأنهم أعداء تامّين ومكتملين وآتين من آخر الدنيا!

 

ولانّ “علّة” لبنان متمكّنة من الأسد وطاغية على طبعه الموروث فهو ما أن خفّ انشغاله بـ”الفرع” السوري حتى عاد ليطلّ أو يحاول الاطلالة على مكمن تلك العلّة فيه! ومن أبواب لا تستثير سوى الهزل الأسود، كما سلف القول! كأن يتصرف أساساً وأولاً باعتباره لا يزال “رئيساً” في سوريا نفسها واستطراداً بالتالي صاحب سلطات قيادية رئاسية في لبنان! وعملاً بالمقولة “الخالدة” “شعب واحد في بلدين”! والتي قصد من ورائها الأسد الأب تخفيف وطأة الحقيقة القائلة انه كان “رئيساً” لنظامَين مختلفَين، واحد في دمشق وآخر في بيروت! أو كأنّه (الابن) لا يزال يُقرّر في حصنه الدمشقي ويجوز له استطراداً أيضاً، أن يُقرّر في فرعه البيروتي! أو أن يطلب ويأمر فيُلبّى طلبه ويُنفّذ أمره!

 

في أشياء الأسد اللبنانية تتسبب تلك العلّة المكينة والراسخة. والتي زادت حدّتها تبعاً للمرارة المتأتية عن فقدان السلطة والدور في نواحينا.. ثم تبعاً للقراءة السياسية الاستراتيجية التي اعتمدها الأسد الأب وبنى عليها استمرارية حكمه المديد والقائلة بأن العلاقة سببيّة بين “قوّة سوريا” و”ضعف لبنان”! وإن رأس شروط الأولى هو تثبيت وتأكيد الوضعية الثانية.. سوى أن الدنيا انقلبت بالتمام أو تكاد، وانكسرت المعادلة، لكن المكابرة الكاريكاتورية لا تزال حاضرة ناضرة في ذهن الديكتاتور الدمشقي وتحكم وتتحكّم بنوازعه وأوهامه وتخرّصاته اللبنانية!

 

يحاول الإيحاء بأنه سبب المشكلة المتحكّمة بالتشكيل الحكومي فيما هو مُلحق ينتهز فرصة “القرار” الإيراني الذي ينفذه “حزب الله” بأريحيّة مشهودة! ويحاول الإيحاء بأن حضوره من عَدَمه هو لبّ المشكلة المستحدثة في شأن انعقاد القمة الاقتصادية في بيروت، في حين أنه مُلحق ينتهز فرصة حسابات إيرانية – روسية صافية تريد في لحظة تقاطع مصالح، أن تقول إن الدنيا بألف خير! وإن الحرب السورية انتهت! وإنّ “النظام” انتصر تماماً! وإنّ ما حصل على مدى السنوات الثماني الماضية كان أمراً عَرَضيّاً عابراً! وإنّ تعويم الأسد وفق الأسس السلطوية اللعينة ذاتها هو أمر حتمي! وإنّ “العودة” العربية إليه هي تعبير تلقائي طبيعي عن فعل ندامة على ما “اقترفوه” من تآمر عليه! وهو المثال الذي يُحتذى في الحكم وكيفيّته! وفي الحكمة وأبوابها! وفي الأنسنة وتعبيراتها! وفي ممارسة السلطة وعدالتها! وفي حفظ المقامات والكرامات والسيادات بطريقة تُقارب الإعجاز!

 

.. مفارقة لافتة بالفعل، أن تكون أشياء الأسد اللبنانية مُحفّفة للجور الإيراني اللاحق باللبنانيين! وأن تستحث البسمة في ذروة القنوط! وأن تذكّرهم في الإجمال بأن حالهم يبقى أفضل نسبياً من أحوال السوريين و”قائدهم إلى الأبد”!