IMLebanon

في سوريا وغيرها..

 

يأخذ الرئيس رجب طيب أردوغان وقته التام في المناورة إزاء “القضية” السورية ذات التأثيرات الخطيرة والجدّية على الأمن القومي التركي، كردياً وأمنياً واقتصادياً ومالياً وديموغرافياً.. وغير ذلك كثير.

 

يتحرّك باستمرار. وحركته تعكس واقع الحال المحيط به إقليمياً ودولياً أكثر مما تعكس هوَساً ذاتياً بتحقيق مكاسب ذات طابع فتوحاتي طالما أن أوضاعه “مستقرّة” في بنيان الإسلام السياسي على مدى رقعة انتشاره.. وطالما أنه مرتاح داخلياً. وطالما أنه لا يتردد في توظيف أي معطى خارجي لتدعيم ذلك الارتياح.. حتى لو عنى ذلك الاستمرار في الاستثمار بدماء الصحافي الراحل جمال خاشقجي وبطريقة غير مفهومة أقلّه في سياقات العلاقة مع المملكة العربية السعودية بحيث يتأكد يوماً تلوَ آخر أن تسييس الجريمة بهذا الزخم، يستهدف أموراً كثيرة ليس في صدارتها “العدالة” المدّعاة ولا “الحقيقة” المرفوعة كشعار!

 

الرئيس أردوغان يعود بالأمس ليتّهم بشّار الأسد بـ”قتل مليون مسلم”، لكنه لا يتوقف لحظة واحدة أمام مفارقة أنه يعزّز توافقه وتفاهمه مع إيران التي تُعتبر “المساهم” الأول (والحصري حتى العام 2015) في كل تلك الجرائم وفي النكبات التي حلّت بعموم السوريين.. عدا عن كونها صاحبة مشروع مُعلن وواضح يخترق الجسم العربي والإسلامي العام من أوله إلى آخره وتسبّب ويتسبّب بويلات تامّة أينما حلّ وتمكّن أو حاول ذلك الحلّ والتمكّن.. ويعرف (الرئيس التركي) يقيناً بأن السعودية تتلقّف الهجوم وتدافع ولا تعتدي ولا تهاجم! وتحاول بثقلها ووزنها وإمكانياتها وقدراتها ردّ الأذى والضيم عن المسلمين المستهدفين بنيران ذلك المشروع وجموحاته وطموحاته، ومن بينهم أهل سوريا الذين قتل منهم بشّار الأسد مليونا! وهجّر أضعاف ذلك الرقم! وحوّل مدنهم وقراهم ودساكرهم وعمرانهم إلى خراب غير مسبوق في عالم اليوم اللاحق للحرب العالمية الثانية ودمارها الفظيع!

 

القضية السورية ثقيلة الوطأة على تركيا ودول الجوار وعموم أرض العرب والمسلمين في واقع الحال، لكنها في المنظور التركي الواضح، تُقارَب من الزاوية الكردية أكثر من الزوايا المتّصلة بالمسلمين الذين تُهدَر دماؤهم. أو بالمعطى الإنساني المحض. أو بالتأثيرات التي تتركها على الداخل في الاقتصاد والاجتماع ومشتقاتهما.. وذلك المقياس (الكردي) هو الذي يُحدّد وجهة الموقف من الأميركيين أو الإيرانيين أو الروس أو غيرهم. وهذا واضح من منبج إلى شرق الفرات.. لكن بأي ميزان يُوضع دعم سعودي – إماراتي متواضع وخفر لبعض الأكراد داخل سوريا، في كفّة موازية للذهاب إلى تعميق “التفاهم” مع الإيرانيين على حساب دماء “المليون قتيل سوري”؟ وإلى مواصلة التحريض الممنهج ضد السعودية في واشنطن وعواصم القرار في أوروبا؟ وإلى الاستمرار في اعتماد سياسة أنوية شديدة التركيز وتقوم على احتضان ودعم الجماعات المتأسلمة وحراكها ضد أوطانها وشعوبها ونظمها الحاكمة؟

 

مدّت السعودية يدها لمصافحة الأتراك وألقت تحية السلام عليهم، لكن لا أحد يستطيع الادّعاء، بأنها أُجيبت بيد مقابلة أو سمعت ردّاً على تحيّتها، بل الحاصل (المؤسف والمحزن) هو أن الإشارات تتوالى بالاتجاه المعاكس، وبما يصيب بأضراره كيان العرب والمسلمين برمّته. ويخرّب مصالحهم العامة والمشتركة من أجل غايات وأهداف فرعية ومشتتة وهامشية أيّاً يكن عنوانها أو ثقلها أو حجمها.. والله أعلم!