IMLebanon

في سباق «المنتصرين»

 

كلام كثير خرج من موسكو أمس عن سوريا وأحوالها و«مستقبلها» القريب. وكلام كثير أيضاً خرج من طهران عن الموضوع ذاته زائداً عليه العراق ثمّ بيان الجامعة العربية الأخير، الذي يتبيّن أنّه شديد الوطأة على صنّاع القرار الإيراني، برغم «تأكيدهم» أنّه «غير ذي قيمة»! ولا يُعتدّ به!

والجامع المشترك بين تلك المواقف هو النقر على مفردة «الانتصار» في سوريا (والعراق) على الجماعات الإرهابية.. وكأنّ الطرفين يتسابقان على ادعاء أبوّة مولود مشوّه! سوى أنّ موسكو تبدو في مرتبة تؤهّلها أكثر من طهران للحكي عن الماضي والحاضر والمستقبل، وأهليّتها هذه متأتية من حقيقة كونها استطاعت تزويج ثقلها العسكري بالانكفاء الأميركي لمنع السقوط الأخير لبقايا سلطة رئيس سوريا السابق بشار الأسد وإصابة المحور الإيراني بهزيمة مجلجلة!

والجامع المشترك الآخر بين تلك المواقف هو أنّ الطرَفَين استخدما كلام حق يُراد به باطل! كأن يقول الكرملين غداة استقبال فلاديمير بوتين للرئيس السوري السابق، «إن الشعب السوري وحده مَن يقرّر دور الأسد في المستقبل»! أو أن تسأل طهران على لسان الرئيس حسن روحاني أين كانت الجامعة العربية عندما سيطر «داعش» على العراق و«ذبح الناس في حلب ودير الزور»!

أمّا القول الروسي عن أنّ «الشعب السوري وحده مَن يقرّر» مصير الأسد فهو آتٍ من مدوّنة استبداد وعسف قبل أن يكون احتكاماً للعملية الديموقراطية. كأنّ ما جرى في سوريا على مدى السنوات الماضيات لم يكن «تعبيراً» عن إرادة السوريين برفض حكم العصابة الأسدية والاكتفاء من نظام فئوي مافيوزي نَكَبَ سوريا بالحديد والنار على مدى خمسة عقود وشبك مصيره بمصيرها.. ونفّذ هذا الربط بنجاح تام ولا يُقارن سوى بنجاح صنوه البعث الصدّامي في العراق! أو كأنّ حكم آل الأسد جاء عبر صناديق الاقتراع ولا يخرج إلا عبرها! أو كأنّ كثافة النار تحرق الحقيقة القائلة بأنّ الثورة السورية لو كانت شغل «عصابات تكفيرية» لكان ذلك كافياً في ذاته لتثبيت فشل الحكم الأسدي وعجزه على مدى ست سنوات عن القضاء على تلك «العصابات» (المليونية بالمناسبة!) برغم استخدامه كل سلاح ممكن وكل وحشية متخيّلة و«اضطراره» للاستعانة بالإيرانيين وميليشياتهم المذهبية، ثمّ بالماكينة العسكرية الروسية بكل زخمها «الشيشاني» المعروف!

أمّا المشهد الأبرز الذي حرصت موسكو على إظهاره بالأمس، فهو تلميع صور الجنرالات الروس الذين «صنعوا الانتصار»! وتثبيت حصرية «القرار» في يدها إزاء المستقبل القريب للوضع السوري. وكيفية مقاربة «التسوية» الأخيرة وشروطها وآلياتها! وهذه في جملتها أخبار سيئة للشريك الإيراني استدعت الاستعانة بـ«الخارجية السورية» لإصدار بيان يذكّر «بدور إيران وحزب الله في التصدي للإرهاب التكفيري»!

على أنّ ردّ إيران على التهميش كان جاهزاً الى حدّ تضخيم معركة البوكمال وكأنها معركة برلين في الحرب العالمية الثانية! والإكثار من توزيع صور الجنرال قاسم سليماني ودوره الإشرافي فيها وكأنّه الجنرال جوكوف نفسه! ثم ربط سوريا بالعراق مباشرة. والحديث المكثف عن «الإنجاز العظيم» في البلدَين والاستعانة بالأمين العام لـِ«حزب الله» في هذا المقام، قبل الدخول المباشر على صالة الأفراح عبر الناطق باسم الحكومة في طهران ثم عبرَ رئيس البرلمان علي لاريجاني نفسه!

لكن المفارقة في الأداء الإيراني، هي أنّ أصحابه الذين يفترض أنّهم مرتاحون «لانتصاراتهم» العراقية والسورية، بدوا شديدي التوتر والعصبية إزاء بيان الجامعة العربية! وخرج كلامهم في شأنه عن حدود اللياقات المفترضة وصولاً الى أنّ الرئيس روحاني (مجدّداً؟!) وصف الجامعة بأنّها «منظمة متعفّنة ومترهّلة وقديمة وعديمة الأثر»!

والسؤال: إذا كانت الجامعة كذلك، فلماذا كل هذا الاهتمام ببيانها؟ وكل هذا التشنّج إزاءه؟ وكل هذا الأداء المعيب حيالها؟

أمّا الحكي عن «داعش» في حلب ودير الزور فهو صحيح سوى أنّه مراوغ وغير مكتمل: «داعش» «شجرة» واحدة في «غابة» الارتكابات المشينة والفظاعات والارتكابات التي نفّذها الهازجون بـ«الانتصارات» و«الإنجازات» في حق شعب سوريا!

ثمّ قبل أن يسأل روحاني أين كانت الجامعة العربية عند سيطرة «داعش» على حلب ودير الزور، لماذا لا يسأل أين كان حليفه بشّار الأسد؟! ولماذا هربت قواته من دير الزور على الهواء مباشرة؟ وأين كان حليفه العراقي نوري المالكي عندما استطاع بضع مئات من الدواعش السيطرة على الموصل فيما القوات الحكومية كانت تُعدّ بالآلاف فيها؟ ولماذا «انهارت» تلك القوات وتخلّت عن سلاحها وآلياتها وأموال «المصرف المركزي» في المدينة، من دون إطلاق رصاصة واحدة؟!

ثمّ تفصيل بسيط وعلى الهامش: لم يكن في شرق حلب «داعشي» واحد!!.