IMLebanon

أليس ما وصل اليه لبنان من حائط مسدود ومعاناة نتيجة صناعة التسويات في الخارج ؟!

 

ثمّة وساطة للقاء وفد من حزب الله مع الراعي لمناقشة عناوين كلمته في لقاء بكركي

 

يُحاول البطريك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الحصول على أكبر تأييد داخلي لطروحاته ومواقفه فيما يتعلّق بالحياد الناشط وبضرورة عقد مؤتمر دولي من أجل لبنان في ظلّ تقاعس المسؤولين عن تحمّل مسؤولياتهم وعدم تشكيل حكومة تكون قادرة على إنقاذ الوضع المتردّي في البلاد والسائر إنحداراً سريعاً نحو الإنهيار الشامل. وقد سبق وأن قال كلمته وكرّرها أخيراً خلال اللقاء الشعبي الحاشد الذي أمّ بكركي السبت الفائت، علّ ما يُطالب به يسلك الطريق نحو إيجاد الحلّ النهائي للأزمة اللبنانية. فهل صحيح بأنّ التدويل يصبّ في مصلحة لبنان واللبنانيين أم دونه عقبات وتداعياتمن المستحسن تخطّيها في المرحلة الراهنة؟

 

مصادر سياسية عليمة تعتقد بأنّ «تدويل الأزمة اللبنانية» قد يُدخل لبنان في مأزق أكبر، حتى ولو لم يكن تحت الفصل السابع، خصوصاً وأنّ الدول الراعية للمؤتمر الذي سيُعقد من أجله، والتي

 

هي أعضاء في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، سيكون لكلّ منها مصالحها الخاصّة والمتناقضة عن مصالح الدول الأخرى، في لبنان والمنطقة. فالكلّ يذكر بأنّ «اتفاق الطائف» الذي عُقد في مدينة الطائف السعودية قد نزع الصلاحيات من رئيس الجمهورية (المسيحي الماروني)، ليضعها بيدّ مجلس الوزراء مجتمعاً الذي يرأسه (السنّي)، والذي غالباً ما اختصرها رئيس مجلس الوزراء بشخصه، والأمثلة على ذلك كثيرة خلال حكومات ما بعد الطائف. ما يعني بأنّه كان هناك مصلحة للسعودية في إعطاء السلطة للطائفة السنيّة لدى حصول أي شغور رئاسي في البلاد، حتى أنّ البعض ذهب الى القول آنذاك، بأنّ «وثيقة الوفاق الوطني» كانت مُصاغة بشكل نهائي من قبلها، ولم يكن ينقصها سوى توقيع النوّاب اللبنانيين عليها. علماً بأنّ بعضاً من هؤلاء النوّاب لطالما نفى هذا الأمر وتحدّث عن جهدهم وسهرهم حتى ساعات متأخّرة من الليل للتوافق على صياغة الوثيقة وبنودها. وقد تفاخر البعض من النوّاب المسيحيين بأنّهم كانوا من بين الذين نزعوا صلاحيات رئيس الجمهورية منه ليضعوها في عهدة مجلس الوزراء مجتمعاً، من دون معرفة أسباب هذا التفاخر، أو ربّما للقول بأنّهم وطنيون أكثر من سواهم.

 

كذلك فإنّ «اتفاق الدوحة» وبحسب المصادر، الذي جاء نتيجة أحداث 5 و7 أيار 2008 كان مُعلّباً ولم يخدم لبنان سوى لمرّة واحدة فقط، على ما أضافت، وإلاّ لما بقي لبنان قبل انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سنتين وأربعة أشهر من دون رئيس للبلاد. وهذا يعني بأنّ المشكلة لا تكمن في اللجوء الى الخارج لحلّ الأزمة اللبنانية، إنّما في استفادة دول الخارج من هذه الفرصة على حساب لبنان. وبالطبع إنّ البطريرك الراعي لا يريد اليوم حصول مثل هذا الأمر، بقدر ما يريد إيجاد حلًّ نهائي للبنان وأن يعيش اللبنانيون بأمان وسلام واستقرار بعيداً عن صراعات دول المنطقة.

 

وتقول المصادر، بأنّ عناوين عدّة نادى بها البطريرك الراعي يلتقي بها مع أحزاب سياسية عدّة في البلد. أمّا الذين اعتقدوا بأنّه أراد التصويب على عون و»التيّار الوطني الحرّ» وحزب الله، دون سواهم فهو مخطىء. وكشفت بأنّ ثمّة من يقوم بتحضير لقاء يجمع وفداً من حزب الله بالراعي في بكركي قريباً لمناقشة العناوين التي أطلقها في كلمته أمام الحشد الشعبي الذي شهدته بكركي السبت الفائت. علماً بأنّ الحوار لم ينقطع كون أبواب بكركي مفتوحة دائماً لجميع اللبنانيين. مع الإشارة الى أنّ أي تدويل للأزمة، يحتاج على الأقلّ الى توافق من قبل جميع الأطراف الداخلية بهدف نقل الأزمة الى الخارج.

 

ولعلّ أكثر ما تخشاه المصادر نفسها، ليس اللجوء الى الخارج لتدويل الأزمة، إنّما الوصول الى وقت يقوم فيه الخارج بتدويل الأزمة رغماً عن لبنان واللبنانيين. حتى وإن كانت تعتبر أنّ مثل هذا الأمر لن يحصل حالياً، خصوصاً وأنّ لكلّ من دول الخارج ما يكفيها من المشاكل والأزمات، ما يجعلها تضع ملف لبنان جانباً بعيداً عن سلّم أولويّاتها. وترى بأنّ الحلّ الدولي لن يفيد لبنان، لا سيما في المرحلة الراهنة التي تُرسم فيها خرائط المنطقة من جديد، الأمر الذي قد يُشكّل ضغطاً ما على الداخل اللبناني.

 

من هنا، تقول المصادر، بأنّ الذهاب حاليّاً الى الحوار الداخلي بهدف تشكيل الحكومة يبقى الخيار الأفضل مع خسائر أقلّ، خصوصاً وأنّ التدويل سوف يدفع بالأزمة الى المزيد من التعقيدات لا سيما مع ارتباط كلّ فريق داخلي بآخر خارجي. هذا الأمر الذي قد يُعيد طرح قضية المحاور السياسية وارتباط القوى الداخلية بكلّ منها. وأكّدت بأنّ الحلول الخارجية لم تؤدّ الى أي إنتاجية على مرّ السنوات الماضية، وكلّ ما وصلنا إليه من حائط مسدود أمام الأزمات، ومن معاناة فلأنّ دول الخارج كانت تصنع لنا تسوياتنا، بدلاً من أن نذهب الى صناعة توافقنا الوطني بأنفسنا.

 

وصحيح بأنّ مطلب عقد مؤتمر دولي من أجل لبنان، لا يعني طلب وصاية دولية عليه، بل مساعدته على إيجاد الحلول المناسبة لأزماته المتفاقمة والتي لم يعد اللبنانيون قادرين على تحمّلها، إلاّ أنّ هذا يعني، في الوقت نفسه، على ما شرحت المصادر، أنّ مفهوم الدولة في البلاد لا يعود قائماً أيضاً كون الحكّام لم يتمكّنوا من حلّ هذه الأزمات بالرجوع الى القوانين والدستور. الأمر الذي يجعل من لبنان دولة قاصرة، غير قادرة على حكم نفسها بنفسها، ما قد يفرض نظاماً جديداً عليها لا يتوافق عليه الجميع في الداخل. علماً بأنّ المطلوب هو حياد لبنان كونه يحترم الإختلاف، وليس انتقاله من وصاية الى وصاية أخرى، وبناء الدولة على أسس متينة وتعديل الدستور بما يتناسب مع متطلّبات الشعب. ومن هنا، تأمل المصادر نفسها، ألاّ يُحوِّل المؤتمر الدولي لبنان الى دولة عاجزة، بل يتعامل معه باعتباره جزءاً من الأمم المتحدة وعضوا مؤسسا لها، ومساعدته بالتالي بشكل فعلي على النهوض من أزمته الإقتصادية والمالية والسياسية واستعادته مستوى العيش الذي اعتاد عليه.

 

وأكّدت المصادر، بأنّه حتى الآن، لا شيء مؤكّدا من أنّ المؤتمر الدولي من أجل لبنان سيُعقد أم لا. فالبطريرك الراعي يقوم بما عليه القيام به بهدف تغيير المسار الإنحداري السريع للوضع في لبنان، والذي يفوق بنتائجه الكارثية ما تسبّبت به الحرب العسكرية. فما يطرحه الراعي ينطلق من أرضيّة لبنانية وهو يستحقّ أن يُناقش لمعرفة أين تكمن مصلحة لبنان الفعلية في ظلّ الصراعات الإقليمية والدولية القائمة. فالتكاتف أو التوافق الداخلي على مختلف التسويات قد يوصل لبنان الى حيث يريد، فيما العكس قد يودي به الى تنفيذ الخارج مصالحه في المنطقة انطلاقاً منه وعلى حسابه.