إيران في حاجة إلى ثورة جديدة

 

منذ نحو أربعة عقود، وتحديداً خلال الشهور التي سبقت اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، أطلق المنفي آنذاك آية الله الخميني كثيراً من الوعود منها احترام حقوق الأقليات وصيانة الديمقراطية وتحقيق المساواة للنساء.

امتدح مثقفون مثل الفيلسوف الفرنسي الراحل مايكل فوكالت رؤية الخميني، وفي إيران سعد الليبراليون بما سمعوه منه، وهللت الأقليات بالانضمام إلى أتباعه لإسقاط النظام الفاسد الذي أسسه الشاه. فقد كان الخميني صاحب الكاريزما الطاغية يقول ما يحب الآخرون سماعه.

بتعبير آخر، كان الرجل لا يقول الصدق، فالخميني، بحسب أبو الحسن بني صدر، أول رئيس للبلاد بعد الثورة، «لم يلتزم بأي مما قاله». وفي مقابلة شخصية جرت الشهر الماضي، وصف الرئيس السابق الوعود التي أطلقها الخميني قبل وصوله إلى السلطة بـ«الملائمة».

كانت تلك الكلمات أقل ما يمكن أن يقال، لكن بعد إعلان نفسه قائداً أعلى، تجاهل الخميني تقريباً كل تعهداته التي أطلقها علانية. ففي كتابه الذي صدر عام 2016 بعنوان «الديمقراطية في إيران: لماذا فشلت وكيف يمكن أن تنجح»، يصف البروفسور ميساغ بارسا حكومة ما بعد ثورة الخميني بأنها «دولة حصرية» رفضت وعد الديمقراطية.

كان لرجال الدين كثير من العمل أمامهم، فقد حظروا الكحوليات ومنعوا بث الموسيقى عبر المذياع والتلفزيون، ومنعوا حتى التنزه بصحبة كلب في حديقة عامة. وشن رجال الدين حملة تحريض على القسوة على الملأ بأن سنوا قرارات بمعاقبة كل من يثبت ارتكابه الزنا والمجرمين بالجلد والرجم بالحجارة. وفي عام 1988، جرت عملية إعدام جماعية لنحو 40 ألفاً ممن اعتبروهم أعداء الدولة. وبين عامي 1979 و2009، اعتقل النظام وسجن وقتل أكثر من 860 صحافياً على الأقل، بحسب تقارير صدرت عن منظمة «صحافيين بلا حدود».

وحتى يومنا هذا، لا يزال التلفزيون الرسمي يذيع اعترافات تحت الإكراه، كان آخرها الصيف الماضي عندما أقرت لاعبة الجمباز المراهقة ميادة هجبري بث مقاطع مصورة عبر تطبيق «إنستغرام» بينما كانت ترقص من دون ارتداء الحجاب. حتى الإيرانيون المقيمون في الخارج لم يسلموا من الأذى، حيث دأب النظام على إرسال قتلة إلى أوروبا لتصفية قادة المعارضة. فقد تلقى رئيس الوزراء السابق شابور باختيار، الذي قاد حكومة إصلاحية لفترة وجيزة في الشهور الأخيرة لنظام الشاه، عدة طعنات في الصدر أثناء وجوده في شقته بباريس عام 1991. والأسبوع الماضي، أعلن وزير العدل الإيراني أنه سيبدأ محاكمة الصحافية المقيمة في الولايات المتحدة ماسية علي نجاد، وذلك عقب لقائها بوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو. وتواجه نجاد تهمة تحريض النساء على نشر مقاطع مصورة يظهرن فيها وهنَّ يخلعن الحجاب.

وفي الوقت الذي تقمع فيه دولة الخميني مواطنيها، فإنها تعمل على إثراء قادتها. فالجمهورية الإسلامية اليوم لا تختلف كثيراً عن النظام الفاسد الذي حلّت مكانه منذ 40 عاماً. فالحرس الثوري الإيراني، على سبيل المثال، يتصرف كأنه نقابة للمجرمين تسيطر على مفاصل اقتصاد البلاد، والمرشد الأعلى الحالي وخليفة الخميني يديران صندوقاً للأموال الجانبية يحوي عشرات المليارات من الدولارات، بحسب تحقيقات أجرتها وكالة «رويترز» للأنباء عام 2013 جمعوها من الأصول التي استولوا عليها من الشعب الإيراني. فقد بات كثير من الإيرانيين الآن يدركون أن قادتهم فاسدون وتنقصم الكفاءة.

وعلى مستوى الدولة، بدأت الاحتجاجات في ديسمبر (كانون الأول) 2017 ولا تزال مستمرة. وبات كثير من الإيرانيين العاديين لا يتوانون عن المخاطرة بأنفسهم بالتعبير عن رفضهم لحكامهم بالسير في المظاهرات وتدوين عبارات الاحتجاج على الجدران، ونشر صفحات مجهولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وها قد بدأ الإيرانيون في الخارج، سواء المنفيون طواعية أو الذين فروا للضرورة، يخططون لما هو مقبل. وقد بدأ بعض المنشقين في المطالبة باستفتاء عام بشأن صلاحيات المرشد الأعلى.

في الحقيقة، ما من عاقل يصدق أن إيران بها ديمقراطية، ورغم ذلك، لا يزال من الممكن أن تسمع في بعض مناطق بروكسل وواشنطن هراءً عن تنافس الأفكار بين المعتدلين والمتشددين في إيران. فها هو جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، لا يزال يجلس متملقاً لإجراء مقابلات صحافية ويزعم أنه مبعوث الدولة الحرة.

هي خدعة عمرها 40 عاماً، تحديداً في 16 فبراير (شباط) 1979، عندما نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالاً لأستاذ القانون الدولي بجامعة بريسنستون قال فيه إن وصف الخميني بـ«المتعصب» و«المتحيز الفج» لا تعدو كونها ادعاءات زائفة. المشكلة أنهم ما زالوا يصدقون وعد النظام بعدم إنتاج سلاح نووي، خصوصاً أن غالبية بنود الاتفاقية ستنتهي في غضون 15 عاماً.

الأخبار السارة هي أن ملايين الإيرانيين لم يعودوا يصدقون شيئاً مما يقوله هذا النظام، بعد أن عاشوا الرعب وتحملوا القسوة التي جلبتها لهم الثورة الإسلامية منذ 40 عاماً. إن أقل ما يستطيع الأميركيون والأوروبيون فعله هو الدفاع عنهم ومساندتهم في نضالهم للقيام بثورة ديمقراطية.

– بالاتفاق مع «بلومبرغ»