IMLebanon

إيران… فشل الإصلاح أم فشل الإصلاحيين؟

 

 

قرع الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي ناقوس الخطر، واعترف بأن التيار الإصلاحي خسر شارعه وبات من الصعوبة إقناعه بالمشاركة في الانتخابات المقبلة، فقد قالها خاتمي بصراحة ومن دون مواربة، بأنه لا أحد في إيران مستعد للاستجابة لطلبات الحركة الإصلاحية المشاركة في الانتخابات المقبلة، والسبب بالنسبة إليه يعود إلى حالة الإحباط وإلى خيبة الأمل التي أصابت الجمهور، نتيجة فشل الحركة الإصلاحية في تحقيق الحد الأدنى من الشعارات الانتخابية التي رفعتها، ودعت على أساسها الناخب الإيراني إلى منحها الثقة في الانتخابات التشريعية التي شاركت فيها.

يعتبر كلام الزعيم الأقوى للتيار الإصلاحي هو الأدق في توصيف العلاقة الجدلية بين الدولة والمجتمع أو بين السلطة والمعارضة في إيران، والتي ظهرت إلى العلن منذ وصول محمد خاتمي المفاجئ إلى سدة الرئاسة سنة 1997. والتي تبلورت على أثرها الحركة الإصلاحية كتيار سياسي داخل تركيبة السلطة والدولة، وتم الرهان على الإصلاحيين باعتبارهم يمتلكون ميزة استثنائية في قدرتهم على احتواء المجتمع والمعارضة. فعليا تشكل حول خاتمي تيار سياسي أطلق عليه تسمية التيار الإصلاحي والذي ربط نفسه رمزيا بخاتمي عندما أطلقت الجماعات الإصلاحية على نفسها تسمية «تنظيمان الثاني من خرداد» (تيمناً بتاريخ انتخاب خاتمي وفقا للتقويم الإيراني) باعتبار أن في هذا التاريخ انقسمت الدولة والمجتمع في إيران رسميا إلى تيارين (محافظ وإصلاحي) وأسست ثنائية جديدة تضاف إلى تعقيدات التركيبة الإيرانية بعد العقدة المستعصية على الفهم لثنائية الثورة والدولة.

فمما لا شك فيه أن وصول خاتمي إلى الرئاسة شكل المساحة الضرورية لإجراء التحولات الاجتماعية الإيرانية ما بعد مرحلتي «الحرب الإيرانية العراقية والسيد الخميني»، ودخلت إيران بفترة انتقالية ثانية قادها الرئيس الأسبق مهندس النظام الإيراني الراحل هاشمي رفسنجاني، الذي ساعدت سنوات حكمه على بروز مفاهيم جديدة نتيجة المراجعات التي أجريت داخل المؤسسات الثقافية والدينية التابعة للدولة وللنظام، فقد شهدت نهاية مرحلة رفسنجاني الرئاسية نقاشات عميقة تتعلق بتطورات المجتمع الإيراني وبالأفكار المدنية وقبول التعددية الفكرية والاختلاف في التوجهات.

عود على بدء، إلى لقاء السيد خاتمي مع كتلة الأمل الإصلاحية في مجلس الشورى (البرلمان) حيث قال: «اليوم أواجه شخصياً أسئلة تطرح عليَّ من قبل الجماهير حيث تقول لي إنكم في الحركة الإصلاحية جئتم بنا إلى صناديق الاقتراع، ولكن نريد منكم أن تقدموا لنا إصلاحاً حقيقياً استطعتم تنفيذه في إيران». الأخطر في كلام خاتمي والذي يعتبر رسالة تحذير للتيارات الداخلية التي تعرقل الحركة الإصلاحية وتمنعها من تنفيذ مشاريعها هو تحذيره بأن «انهيار السلة الانتخابية للإصلاحيين لا يذهب في مصلحة الآخر (أي المحافظين)، بل يصب في سلة المطالبين بإسقاط النظام».

حديث خاتمي عن تيار آخر خارج ثنائية الإصلاحيين والمحافظين، يطالب بإسقاط النظام، يدفع الجيل الجديد من الحركة الإصلاحية والمرتبطة فعليا بالحركة الخضراء إلى مراجعة شعاراته والذهاب إلى مواقف أكثر راديكالية من النظام نتيجة سوء إدارته لأغلب الملفات الاجتماعية وفي مقدمتها الحريات العامة والاقتصاد، وهي التي جهزت الأرضية للتيارات التي يمكن وصفها باليمينية داخل الإصلاحيين والتي لم تعد تثق بخيارات إصلاح النظام من داخله وقد تذهب إلى خيارين إما التصعيد وإما المقاطعة، والتصعيد والمقاطعة على ما يبدو مترابطان في المرحلة المقبلة وفقا لما ختم خاتمي كلامه مع نواب تكتل الأمل قائلا: «من الصعوبة بمكان أن نطلب من الشعب أن يشارك في التصويت مرة أخرى، هل تعتقدون أنه يستمع لي ولكم ويشارك في الانتخابات؟ أنا أستبعد ذلك». بالنسبة للمحافظين عدم مشاركة الشارع الإصلاحي في الانتخابات المقبلة فرصة من أجل الإطباق الكامل على مؤسسات الدولة بهدف تطويق كل الجهود الإصلاحية من أجل تحقيق تغيير جوهري في النظام، فمراكز القوى المتشددة لن تتراجع مهما اتسعت حركة الاحتجاجات السياسية والثقافية والمعيشية، فهي تخوض معركة الدفاع عن امتيازاتها ونفوذها وبقائها، رغم الصعوبات التي تواجهها نتيجة عزلها خارجيا ونتيجة العقوبات الاقتصادية.

في إيران ما بعد الإصلاحيين ليس بالضرورة حدوث انتصار كامل للمحافظين، فالنظام الرافض أو غير القادر على إجراء إصلاحات داخلية، لن يكون سهلا عليه مواجهة تيار جديد تجاوز فكرة إصلاحه ويطالب علنا بإسقاطه.

في النهاية تراهن الأنظمة الاستبدادية دائما على يأس حركة الاحتجاجات، التي تنجح عادة في إزعاج النظام وإرهاقه، ولكنها تفشل في إسقاطه. لكن هذه الأنظمة اعتادت سابقا على الانتصار على حركة إصلاحية داخلية ناعمة، ولم يكن بحسبانها حركة جديدة خشنة تشكل البديل عن الإصلاحيين في المواجهة المقبلة.