في الذكرى السادسة والأربعين للثورة الإيرانية، ربما انخدع البعض بكلمات دونالد ترامب الأخيرة، التي وصف فيها إيران بأنها دولة قوية. ومع ذلك، لم تعد هذه التصريحات كافية لطمأنة الشعب الإيراني الذي يسحقه الوضع الاقتصادي المتدهور، ولا لإقناع الداعمين الدوليين لطهران، حيث يتضاءل نفوذها في المنطقة تدريجياً.
عام كارثي على الاقتصاد الإيراني
كان عام ٢٠٢٤ كارثياً على الاقتصاد الإيراني، مما أغرق السكان في أزمة غير مسبوقة. وعلى الصعيد الجيوسياسي، تعرّض حلفاء إيران التقليديون لضربات قاسية. فقد خسر حزب الله العديد من قياداته، وسقطت سوريا بشار الأسد، وتحوّلت غزة إلى أنقاض.
تراجع في المصداقية الدولية
أدّى فقدان الحلفاء إلى إضعاف موقف إيران على الساحة الدولية بشكل كبير. فلم تعد قادرة على تزويد حزب الله بالأسلحة عبر البَرّ، كما أن مواردها المالية المحدودة لم تعد كافية لدعمه.
لقد اختفى النفوذ الإيراني في العالم العربي، وفرار بشار الأسد إلى موسكو أنهى الهيمنة الإيرانية في المنطقة، مما أفسح المجال أمام منافسيها السعوديين والأتراك. كما انهار الادّعاء بأن إيران تحارب أعدائها خارج حدودها لتجنّب مواجهتهم داخلها.
اقتصاد في أزمة
كشف ضعف إيران العسكري المتزايد، الذي برز في أعقاب الهجمات الإسرائيلية، عن تصاعد الضغوط الأميركية والأوروبية عليها، بهدف خنق اقتصادها. وقد أدّى السخط الشعبي، الناجم عن أزمة اقتصادية غير مسبوقة، إلى تصاعد الغضب الداخلي.
ففي الداخل، أصبح صوت الشعب مسموعاً. إنقطاعات الكهرباء الهائلة في المدن الكبرى، والشتاء القاسي، وإغلاق المصانع، والإنهيار الحاد للعملة أمام الدولار، كلها تعكس الأزمة الاقتصادية في بلد غني بالموارد الطبيعية، حيث تمتلك إيران أكبر احتياطي من الغاز في العالم وثالث أكبر احتياطي من الهيدروكربونات.
والأسوأ من ذلك، أن ثلث السكان يعيشون تحت خط الفقر، مما يجعل الأمل في مستقبل أفضل يتلاشى. أما الشباب الإيراني، أكثر من أي وقت مضى، فيحلم بمغادرة البلاد.
أوهام التوجه شرقاً
في ظل هذا الوضع الحرج، لا يمكن للسلطة الإيرانية أن تكتفي بالإطراء الذي وجهه ترامب، إذ يجب أن يكون واضحاً: لا يوجد خلاص في الشرق. فروسيا والصين، اللتان تُعتبران حليفتَين مُحتملتَين، أثبتتا أنهما مجرد سُراب. فقد خفضت بكين مشترياتها من النفط الإيراني بنسبة ٢٥٪، كما بقيت وعود الصين بالإستثمار بمئات المليارات من الدولارات في الاقتصاد الإيراني مجرد كلام، تماماً مثل الدعم العسكري الروسي الذي لم يتحقق.
أمام هذا الواقع، لا يبدو أن إيران تملك خياراً سوى التوجّه نحو إتفاق شامل مع واشنطن، على أمل رفع العقوبات الاقتصادية. لكن مثل هذا الإتفاق سيتطلَّب تقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي العسكري وتقليص نفوذها الإقليمي، لا سيما فيما يتعلق بحزب الله.
حزب الله في مأزق: مغامرة عسكرية تنتهي بكارثة
في ظل هذه المتغيّرات، يجد حزب الله نفسه بلا خيارات حقيقية، فمغامرته العسكرية لدعم غزة دفعته إلى حافة الهاوية أما وقف إطلاق النار الذي قبله، ووقّعته الدولة اللبنانية، فيبدو وكأنه «إستسلام». فبعد الهزائم العسكرية والدمار الذي لحق بالمناطق السورية، يواجه الحزب خصماً مدعوماً أميركياً، وإدارة أميركية تُعتبر الأكثر دعماً لإسرائيل في التاريخ.
شبكات التمويل في حالة شلل
إلى جانب فقدان القدرة على إعادة التسلّح، يجد حزب الله نفسه أمام شبكات تمويل مقطوعة. فبعد تدمير شبكات تهريب الكبتاغون، جفّت مصادر التمويل عبر الحدود السورية بسبب الاشتباكات هناك. كما أن اتهامات إسرائيل لإيران باستخدام مطار بيروت لتمويل تسليح حزب الله دفعت السلطات اللبنانية إلى رفض منح إذن لهبوط طائرة قادمة من طهران. ووفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال»، فقد تم تعليق الرحلات الجوية من إيران إلى لبنان حتى ١٨ شباط ٢٠٢٥.
وفي ليلة الخميس – الجمعة المنصرم، قام بعض العناصر بإغلاق طريق المطار إحتجاجاً على هذه القرارات، وأضرموا النيران في مركبة تابعة لقوات اليونيفيل لكن الجيش اللبناني تدخّل بسرعة لتفريقهم. كما استنكرت «حركة أمل» هذه الأفعال، داعيةً القوى الأمنية إلى التدخّل بحزم. أما قناة «المنار»، فقد وَصَفت هؤلاء العناصر بأنهم «فوضويون وغير منضبطين»، واتهمتهم بالتسبب في الفوضى على طريق المطار، من دون أن تذكر فعلهم المشين الذي تَمَثّل بحريق المركبة التابعة للأمم المتحدة – اليونيفيل.
لقد تبدّلت موازين الخوف؛ فحزب الله لم يخسر الحرب فحسب، بل خسر أيضاً وسائل الضغط. وفي الوقت الحالي، لا مَفَر من إندلاع مزيد من مشاهد العنف… وكما قال أنطونيو غرامشي: «العالم القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وفي هذا الظلام تبرز الوحوش».
لبنان وإعادة الإعمار
بعد مرور ستة عشر شهراً على أحداث ٧ تشرين الأوّل ٢٠٢٣، لا تزال إسرائيل تحتل عدة قرى في الجنوب، والمناطق التي دمرتها الحرب تنتظر إعادة الإعمار، بينما حزب الله لا يملك الوسائل للمساهمة في ذلك. كما أن جزءاً كبيراً من القاعدة الشعبية للحزب تأمل بالعودة إلى منازلهم والعثور على سكن كريم ولائق قبل أن يتم التخلّي عنه من قبل النظام الإيراني، الذي سيضطر إلى ذلك من أجل البقاء، لا خيار أمام حزب الله سوى تسليم أسلحته إلى الجيش اللبناني. فإعادة الإعمار لن تكون ممكنة إلّا إذا التزم لبنان بشروط الدول العربية والغربية، التي تطالب بحصريّة السلاح بيد الدولة.
نهاية دورة تاريخية
في يوم الأحد القادم ٢٣ شباط ٢٠٢٥، سينظّم حزب الله جنازات حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، والتي ستُقام بشكل لافت في ملعب كميل شمعون. سيكون هذا الحدث فرصة للحزب لإنهاء سياسة الدمار التي أنتهجها منذ عام ١٩٨٢، والقبول بشروط الدستور، الذي ينص على أن الدولة وحدها تحتكر استخدام السلاح، إضافة إلى تنفيذ كامل للقرار ١٧٠١.
إن اختراق جدار الصوت من قبل الطيران الإسرائيلي ليلة الأربعاء يذكّرنا بالأوقات الصعبة التي لم نختر المرور بها؛ فاللبنانيون، وخاصة أبناء الطائفة الشيعية، لا يريدون أن يواجهوا المصير نفسه الذي واجهه سكان غزة، الذين تُركوا لمواجهة نتائج تَهَوّر حماس والعنف الإسرائيلي بمفردهم.
لُبنان يجب أن يختار العَيش بسلام، ولا أحد يريد أن يُفرض هذا السلام بالقوة.