IMLebanon

هل سأل «حزب الله» مصارف إيران وسوريا؟!

اللهجة التي يستخدمها «حزب الله» وأعوانه وإعلامه حول تجفيف منابع تمويل الارهاب في لبنان، مرة في مواجهة حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، وأخرى ضد البنوك التي تلتزم القرارات الدولية، وثالثة في انتقاد الحكومة وما يصفه برضوخها الكامل لـ«الاملاءات الأميركية»، ودائما ضد ما يسميه «المؤامرة على المقاومة»، ليست أمرا عاديا فضلا عن أنه لا يجوز أن تمر وكأن شيئا لم يحدث.

ذلك أن ما يقال في هذا الصدد، لا يعبر فقط عن رغبة بالدفاع عن النفس(المقبول في حالة من هذا النوع)، انما أيضا وقبل ذلك عن الرغبة بابلاغ اللبنانيين علنا وبالفم الملآن أن وضعه المالي ودورته الاقتصادية الخاصة كحزب هما ما يهمه من دون غيرهما، ولو كان ذلك على حساب لبنان وما يمرّ به من شبه افلاس لم ينكره أمينه العام السيد حسن نصرالله في أحد خطبه الأخيرة. بل وأكثر، فما لا يفهمه اللبنانيون فعلا هو كيف يقول نصرالله قبل فترة ان لا علاقة للحزب من أي نوع كان بالبنوك اللبنانية، ثم يعمد الى شن هذه الحملة الواسعة الآن ويصل بها بعض اعلامه الى حد التهديد والوعيد بما قد لا يخطر على البال.

الذريعة التي يرفع لواءها الآن هي ما يسمى «بيئة الحزب»، والمقصود بها كما ورد في بعض المواقف وفي بيان كتلة «الوفاء للمقاومة» الطائفة الشيعية، لكأن كل مواطن لبناني من هذه الطائفة بات مدرجا على قائمة الحظر التي يشملها قرار تجفيف منابع الارهاب. أو لكأن كل ما يطال الحزب من قرارات عربية دولية (أو حتى محلية) انما يأخذ في طريقه كل من ينتمي دينيا وفقهيا، أو ربما وراثيا فقط، الى المذهب الشيعي.

لكن ذلك يبقى في النهاية أقل الأمور جسامة. فلا يفعل «حزب الله» في حملته هذه، الا أنه يعود الى نغمة الاستقواء بقوته وسلاحه من ناحية، والى أنه يستطيع من خلاله، كما حدث أكثر من مرة في السابق، تحقيق أهدافه الخاصة من ناحية ثانية ان في الداخل اللبناني أو حتى في الخارج العربي والاقليمي والدولي.

نموذج ذلك ما فعله الحزب حتى الآن في كل من سوريا والعراق واليمن، وقبلها في مصر والبحرين والسعودية، بالرغم من الخسائر المادية والمعنوية الضخمة له ولما يسميه «بيئته الحاضنة» في لبنان، كما بالرغم مما ألحقه من أضرار باقتصاد ومال وحياة واستقرار كل فرد من أفراد هذا المكون من مكونات البلد.

والخطورة، في الحال الحاضرة، تكمن في ما كانت عليه ردود فعل الحزب في أعقاب كل عمل قام به في خلال الأعوام الـ16 الماضية، أي تحديدا منذ الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان والبقاع في العام 2000:

ـ «لو كنت أعلم»، التي أطلقها السيد حسن بعد العدوان الاسرائيلي في العام 2006، لم تكن يومها ولا في أي يوم بعد ذلك الا الوجه الآخر لحملة التخوين الواسعة التي شنها وحزبه ضد كل من وقف ضد المغامرة التي دفع لبنان كله، وليس «بيئة» الحزب وحدها، ثمنا غاليا جدا لها. واذا كان صحيحا أن الحزب لم يكرر تلك المغامرة منذ ذلك الحين، فالصحيح أيضا أنه لم يفعل ذلك الا بسبب القيود التي فرضها عليه قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 بنتيجة تلك الحرب، وليس لأي سبب آخر. 

والمعنى هنا أن الدرس لم يكن مفيدا، لا لمن لم يكن يعلم نتيجة المغامرة من قبل، ولا لمن علم فعلا نتيجتها من بعد. ولعل أبسط دليل على ذلك ما هدد به في مناسبات متعددة عن عشرات الآلاف من الصواريخ، وعن ضرب اسرائيل من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، وصولا الى ما وصف أخيرا بـ«أكبر من قنبلة نووية» تفجر حاويات الأمونيا في حيفا.

ـ كذلك هو «اليوم المجيد» في السابع من أيار العام 2008، الذي استهدفت به ميليشيا الحزب كلا من بيروت والجبل، ولم يغيّر شيئا في الواقع لا في ذهنية الحزب تجاه أهل العاصمة والجبل والعيش بسلام معهم، ولا في خطته للهيمنة على مقدرات البلد الاقتصادية ومؤسساته الدستورية والأمنية. واذا لم يكن من دليل آخر على عدم «نجاعة» الدرس، فلعل ما آل اليه وضع لبنان في الأعوام الأخيرة(لا رئيس جمهورية، ولا حكومة فاعلة، ولا مجلس نواب يعمل) يكفي لتشكيل مثل هذا الدليل.

ـ أما التورط في سوريا، وبعده في العراق واليمن، فلم يفعل الحزب الا أنه ازداد استشراسا فيه بالرغم من كل ما لحق بأبناء الطائفة الشيعية («البيئة الحاضنة»، بحسب التسمية المتداولة) من خسائر بشرية في الأرواح من ناحية، ومن أضرار في البنية النفسية والاجتماعية لهذه الطائفة من ناحية ثانية.

سيقال انه القرار الايراني في النهاية، وان الحزب يفعل ما يؤمر به ليس الا، ان في لبنان أو في أي مكان في المنطقة أو في العالم.

لكن، هل تكرم قادة الحزب بتوجيه السؤال الى حليفيه الأساسيين في المنطقة، ايران وسوريا، عما اذا كان المصرفان المركزيان فيهما سينفذان من دون سؤال قرار تجفيف منابع الارهاب، أم أنهما سيلجآن مثلهم الى التنديد بـ«المؤامرة الأميركية»، وربما الى تهديد حاكميهما ومسؤولي المصارف الخاصة في البلدين بالويل والثبور وعظائم الأمور؟.

أكثر من ذلك، هل فعلت ايران غير ذلك تحديدا عندما وقعت الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، ونالت بنتيجة توقيعها رفع الحظر عن تعامل مصارفها ومؤسساتها المالية مع العالم؟.