IMLebanon

«الحزب» ينفّذ «خطة التخفّي» سياسياً

 

في الأيام الأخيرة، بدأ «حزب الله» تنفيذ مناورة سياسية هي نفسها المناورة العسكرية التي لطالما برع في تنفيذها في معاركه البرية، وقوامها «التخفّي والإلهاء وكسب الوقت»، استعداداً للانقضاض على الهدف في شكل مباغت.

في دهاليز الاتصال المعقّدة التي تربط طهران بـ«حزب الله»، واضح أنّ الجانبين قرّرا اعتماد خطط متشابهة: إضاعة الوقت. وهذه الخطط تهدف إلى امتصاص الصدمات وتجاوز الضربات العسكرية المدمّرة، ولو أنّها تصطدم اليوم بوقائع ميدانية ومناخات دولية، قد تجعل هوامش المناورة أضيق مما كانت في أي وقت مضى.
​تعتمد إيران حالياً في مفاوضاتها مع واشنطن نهج «الانفتاح التكتيكي» الذي يقوم على تظهير أدوار أساسية للمسؤولين المعروفين بالرغبة في الانفتاح على الولايات المتحدة. وهي تطلق الوعود ضمناً بأنّ النظام مستعد للتعاون، وأنّ تغيير النهج ممكن من ضمن هذا النظام نفسه. وهذا الموضوع كان محور تباين بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في الاجتماع الأخير. فبينما يبدو ترامب راغباً في منح الإيرانيين مزيداً من الوقت والفرص، يبرز نتنياهو مستعجلاً ويحضّ على الحسم ولو عسكرياً، لأنّ النظام سيعود إلى نهجه نفسه عندما يشعر بأنّ الفرصة سانحة مجدداً.
​وتماماً كما تفعل إيران، يختار «حزب الله» نهج كسب الوقت عبر إيحاءات مقصودة ومدروسة. فهو يوحي بأنّه في صدد التبدّل من داخل القيادة، ملمّحاً ضمناً إلى أنّه سيتخلّى عن السلاح، بمعنى أن يتمّ احتواؤه في مخازنه، وتمسك الدولة بالمفاتيح تحت إشراف لجنة معينة، ووفق صيغة تسووية. وتترافق هذه الإيحاءات مع ورشة حزبية تنظيمية بدأت بتنحية وفيق صفا ورموز آخرين، وتظهير الشخصيات المعروفة بطبيعتها السياسية والحوارية، تحت قيادة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم.
​المسألة تتعلق بمحاولة «الحزب» تجنّب الضربة الإسرائيلية الوشيكة، عندما يتبين أنّه ليس في وارد التعاون مع الدولة في مسألة السلاح شمال الليطاني. والاثنين المقبل، سيعلن قائد الجيش العماد رودولف هيكل هذه الخطة في مجلس الوزراء، محاولاً تحديد محطات زمنية لها، ضمن الإمكانات التي يعتقد أنّ الجيش يمتلكها، ومراعاةً بقدر الإمكان للوعود التي قطعها للأميركيين في زيارته الأخيرة لواشنطن.
فما يفعله «حزب الله» يشبه تماماً ما يفعله الإيرانيون لإمرار المرحلة: يراهن على سقوط حكومة نتنياهو. وتراهن إيران على ذلك أيضاً، وعلى كسب الوقت انتظاراً لانتهاء ولاية ترامب. لكن رهانها يواجه معطيات استراتيجية جديدة. فسقوط نظام مادورو في فنزويلا وتهديد ترامب بتكرار النموذج في طهران، يضيّقان الهوامش.
ويميل بعض أصحاب الرأي في واشنطن إلى القول إنّ طهران ​ربما تنجح في المحاولة إذا تراخى ترامب، لأنّ المسألة هناك أولوية لواشنطن، ولكن احتمال نجاح «الحزب» في رهانه ليس كبيراً لأن الأولوية في لبنان هي لإسرائيل. وإذا كان نتنياهو عاجزاً عن توجيه الضربة العسكرية منفرداً إلى إيران، فإنه في لبنان يسدد الضربات يومياً إلى «حزب الله» ويحظى بتغطية كاملة من «الميكانيزم» التي يرئسها أميركي، فيما واشنطن تلاقيه بفرض المزيد من العقوبات المالية والسياسية على «الحزب» والمتعاونين معه.
وفي ظل هذه التحديات، ستكون جلسة مجلس الوزراء المقررة الإثنين المقبل أقرب إلى «ساعة الحقيقة» التي ستكشف مدى قدرة الدولة على تدبير المخارج استباقاً لأي صدمة. فإذا كان الحزب يراهن على إضاعة الوقت في مقاربته لملف نزع السلاح أو حصره، فسيكون خطراً جداً أن تعتمد هي أيضاً مناورة إضاعة الوقت في الداخل، لعل أمراً ما يسقط من السماء ويحل المشكلة بأعجوبة.
فالبلد ـ ومعه الشرق الأوسط بكامله ـ يصطدم بجداول زمنية أميركية ـ إسرائيلية يصعب الرهان على سقوطها. فإذا جاءت خطة الجيش خالية من الآليات التنفيذية الواضحة في شمال الليطاني، فإن نتنياهو العائد «غاضباً» من واشنطن كما تردد، لأن ترامب لم يلب رغباته بتنفيذ الضربات العسكرية الحاسمة فوراً، سيمنح نفسه المبرر لشن عملية عسكرية طاحنة في لبنان، فينهي السجال الدائر حول السلاح بقوة النيران. ولذلك، يقف لبنان الرسمي اليوم أمام خيارين: إما أن يقوم فعلاً بنزع ذرائع نتنياهو، وإما أن ينزلق نحو أسابيع دامية ستكون فيها المخاطر الإسرائيلية في أقصى درجاتها.