IMLebanon

ديبلوماسية الجاز وديبلوماسية النشاز

في نهاية أحد برامج محطة «سي. إن. إن» لعرض تعليقات وتحليلات خبراء وديبلوماسيين عن الآثار السلبية لخطاب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو في الكونغرس، الثلثاء الماضي، بثت المحطة شريطاً عن حفلة لموسيقى الجاز، مشتركة بين موسيقيين أميركيين وإيرانيين نظمت في طهران قبل زهاء أسبوعين، ولقيت نجاحاً ورواجاً واستحساناً في العاصمة الإيرانية.

والحفلة الموسيقية حصلت في وقت ظهرت احتجاجات في بعض وسائل التواصل الاجتماعي على قرارات للقضاء الإيراني بمنع حفلات موسيقية لفنانين إيرانيين باعتبارها غير ملائمة لثقافة الثورة، على رغم انها كانت حظيت بموافقة وزارة الثقافة الإيرانية. أما حفلة الجاز فلم يمنعها القضاء الإيراني.

لبث الشريط على «سي.إن.إن» رمزيته، بعد زهاء ساعة من ظهور محللين أميركيين وأوروبيين واسرائيليين لتشريح خطاب نتانياهو، يخرج المرء من الاستماع اليهم بانطباع انه أحدث ثغرة في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب نظراً الى انه شكّل «إهانة لذكاء الإدارة الأميركية والرئيس باراك أوباما»، كما قالت رئيسة مجلس النواب السابقة، الديموقراطية نانسي بيلوسي. بث شريط حفلة الجاز يرمز الى ان واشنطن ماضية في مسارها التفاوضي مع طهران مهما كانت اعتراضات نتانياهو.

يُذكّر الترويج لحفلة الجاز هذه بديبلوماسية الـ «بينغ بونغ» التي كانت عاملاً ترويجياً للانفتاح الأميركي – الصيني في سبعينات القرن الماضي، حين واكب الاتصالات الديبلوماسية فوق الطاولة وتحتها، الترويجُ لمباريات الـ «بينغ بونغ» الشهيرة بين فرقٍ من البلدين.

صوّر الإعلام الأميركي خطاب نتانياهو على أنه ديبلوماسية «النشاز»، مقابل «ديبلوماسية الجاز» التي تخوضها واشنطن مع طهران، نظراً الى شبه الإجماع على أنه أضاف حفرة جديدة ولو صغيرة في ما سمّاه بعضهم تآكل المعادلة القائلة بأن على الطبقة السياسية الأميركية أن تفعل كل ما تطلبه اسرائيل حتى لو كان خاطئاً.

وبعيداً من الأوهام حول إمكان سقوط هذه المعادلة، فإن الحديث عن التآكل الذي يصيبها يمس جزءاً من الساسة الأميركيين وليس جميعهم، بدليل التصفيق وقوفاً 26 مرة من الجمهوريين الحاضرين للخطاب، ومعهم بعض الديموقراطيين. إلا أن النقاش في واشنطن يزداد حول الحاجة الى الانتقال بالعلاقة مع اسرائيل من علاقة خاصة تقوم على دعم غير مشروط لها، وعلى تدخل دائم لكل من البلدين في الأوضاع الداخلية للآخر، عبر اللوبي الإسرائيلي القوي في واشنطن، الى علاقة طبيعية، حدودها التطابق في المواقف عند التقاء المصالح. لكن تأثير التآكل في معادلة الدعم غير المشروط للدولة العبرية يحتاج الى الكثير من الوقت كي يتبلور. فالأمر يتوقف على ما سينجم عن الانقسام الأميركي حول سياسة اسرائيل وحيال التفاوض مع إيران، والانقسام الإسرائيلي الداخلي وفي أميركا نفسها حول جدوى تحدي الرئيس الأميركي في عقر داره في الكونغرس كما حصل حين أصر نتانياهو على إلقاء خطابه على رغم انزعاج أوباما منه. فهو أراد استخدام حضوره في الانتخابات التي تجرى بعد 10 أيام، واستهدف حضّ الجمهوريين وجزء من الرأي العام الأميركي على تكبيل يدي أوباما في الاتفاق مع إيران عبر الامتناع عن رفع العقوبات قبل ضمان أمن اسرائيل من بعده. هي ليست المرة الأولى التي تظهر الهوة بين موقفي الحليفين، ما يستدعي تسجيل بعض التساؤلات حول حدود تأثير ذلك على سياسة أوباما الباقي حتى أواخر عام 2016 في منصبه:

1 – ان هذه الهوة ستعين أوباما على المضي قدماً في مفاوضاته مع طهران، وحجته مع الفريق الإيراني المقابل هي أن عليه المساعدة في تقديم التنازلات طالما ان ثمة من يسعى الى محاصرة اوباما في الكونغرس، وحجة الفريق الإيراني المفاوض ستكون مع المتشددين الإيرانيين الذين يسعون الى محاصرته ايضاً هي أنه طالما اسرائيل تذهب الى هذا الحد في محاربة الاتفاق مع أوباما فمعنى ذلك ان على طهران ان تقدم عليه.

2 – ان على الدول العربية القلقة من رفع العقوبات عن طهران قبل التأكد من أنها ستحد من طموحاتها الاقليمية التي توسّعت أخيراً، أن تدقق في ما إذا كانت الهوة الأميركية – الإسرائيلية ستأتي بالفائدة على طهران أم على الموقف العربي… وإذا كانت ستأتي بالفائدة على الموقف العربي، فهل ان هذه الفائدة ستشمل الوضع الفلسطيني (وهذا مستبعد).

3 – ان الضمانات التي يطالب بها نتانياهو حيال توسع إيران الإقليمي ستأتيه عبر واشنطن أم عبر فتح قنوات تفاوض خلفية لها سوابق بين تل أبيب وطهران، كما حصل عام 2013 برعاية صينية في أحد قصور الريف الفرنسي، في حضور ديبلوماسيين متقاعدين من أميركا وفرنسا وأستراليا…؟