فضيحة القضاء والأمن في جريمة «وباء الآيدز»!

 

أصدرت الهيئة الاتهامية في بيروت قراراً بترك المدعى عليه ريتشارد غ. الموقوف بجرم نشر مرض وبائي بعدما أبطلت قرار توقيفه. فقد تكوّنت قناعة لدى قضاة الهيئة بأنّ الجرم المنسوب إلى المشتبه فيه لم يتحقق. كذلك فإنّ «نصيحة» أمن الدولة عبر بيان لـ «زبائن مراكز التجميل التي عمِل فيها ريتشارد غ. بإجراء فحوصات طبية» لم تأتِ بأي نتيجة. ولم يتبين وجود أي «ضحية». وبالتالي لم تقع أي جريمة سوى تلك التي ارتُكِبت بحق الموقوف

 

لم تتعافَ مديرية أمن الدولة بعد من تبعات فضيحة توقيف الممثل المسرحي زياد عيتاني، التي يحملُ وِزرها أيضاً مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية بيتر جرمانوس، حتى انشغل الرأي العام بفضيحة جديدة بتوقيع أمن الدولة. فقد أوقفت مجموعة من أمن الدولة شابين بتهمة «نشر مرض وبائي»، بناءً على إشارة القضاء. خابر أحد أفراد جهاز أمن الدولة المحامي العام الاستئنافي في بيروت القاضي زاهر حمادة، وأبلغه بتوافر معلومات عن قيام شاب مصاب بمرض الآيدز باستخدام آلات حادة داخل صالون تزيين نسائي في تلة الخياط وتنفيذ عمليات وشم فيه. أشار حمادة بختم الصالون وتوقيف المشتبه فيهم للتحقيق معهم. تحرّك العناصر لتوقيف المشتبه فيهم. حتى هذه اللحظة، كانت مجموعة أمن الدولة تقوم بواجبها. لكن لم تنتهِ القصة هنا. لم يكتفِ المحققون بالتدقيق في المعلومات المتوافرة لديهم لختم التحقيق، إذ كان يُفترض ختم الملف هنا بعدما تبين عدم وجود «نية جرمية» لدى أيٍّ من الموقوفين. حُوِّلت القضية إعلامياً إلى إنجازٍ تمثّل بـ «فضح مخططٍ لنشر مرض وبائي بين أفراد المجتمع اللبناني». لم تكن القضية كذلك أبداً. فقد تبيّن أنّ الموقوف الرئيسي في القضية ريتشارد غ. كان ضحية هو الآخر. فقد كان قد اكتشف أنّ صديقه الحميم قد نقل إليه العدوى. كذلك فإنّ صديقه هذا لم يكن على علم بإصابته حتى. ومنذ علمهما بأنهما باتا يحملان الفيروس، باشرا بتلقّي العلاج. وإن كان «جرم» ريتشارد هنا إخفاء معلومة إصابته عن أصحاب المراكز التي عمل فيها، بنية الحفاظ على سمعته وعلى العمل في مجتمع يتعامل مع مرضى الآيدز كمجرمين، وهدفه من إخفاء إصابته لم يكن بطبيعة الحال نشر المرض، غير أنّ جهاز أمن الدولة لم يكتفِ بالسير في القضية الواقعة بين يديه وفق الأُطر العادية، بل ذهب أبعد من ذلك. أصدر بياناً يطالب فيه زبائن المراكز التي عمِل فيها الموقوف بإجراء فحوصات مخبرية «حرصاً على سلامتهم»!

كذلك سُرِّبت أسماء الموقوفين في الإعلام مع ما يستتبع ذلك من تدمير مستقبل هذين الشابين اللذين لا ذنب لهما سوى أنّهما مصابين بمرض الآيدز. فقد خرج مدير مكتب بيروت في أمن الدولة العقيد بسام أبو فرح ليفضح سرية التحقيق خلال مقابلة تلفزيونية. لم يعبأ هذا الضابط بسرية التحقيقات، ولا بكونه يعزّز الجهل بكيفية التعامل مع مرض الآيدز واعتباره وباءً، فيما صار المصاب به قادراً على العيش بصورة طبيعية. تحدث الضابط عن تفاصيل التحقيقات، كما لو أنها تنتهي بمجرّد ختم المحاضر وإصدار بيان عن مديريته من دون أي اعتبار لتحقيقات القضاء. لم يكتفِ بذلك فحسب. استسهل إطلاق الاتهامات والإيحاء باحتمال وجود جهات خلف الموقوف المدفوع لنشر المرض! وتحدث عن «مخطط إرهابي» محتمل لنقل العدوى إلى المجتمع اللبناني عبر ريتشي، وعن «اعترافات خطيرة». هذه الاعترافات التي رأى الضابط الذي نصّب نفسه ومديريته محكمة، هي أن الموقوف يقضم أظفاره ويزيل الشعر باللايزر لزبائن مركز التجميل، من دون التصريح عن مرضه! وأصرّ على الحلول مكان وزارتي الصحة والعمل في الحديث عن انتقال المرض ومخالفة قوانين العمل بالرغم من بياني الأخيرتين اللتين تُناقض ما ورد لدى أمن الدولة. تجدر الإشارة إلى أنّ المسؤولية هنا لا يتحملها جهاز أمن الدولة وحده. ورغم أنّه يُفترض مساءلة قيادة الجهاز عن سبب عدم كفّ يد ضابط ورتيب يشتبه في تورّطهما في فضيحة عيتاني أو على الأقل التدقيق والإشراف على التحقيقات التي يجريانها، فإن القضاء يتحمّل حصة رئيسية من الفضيحة الجديدة. فالمحامي العام الاستئنافي في بيروت القاضي زاهر حمادة، خالف القانون عندما أبقى الموقوف ١٤ يوماً في عهدة محققي أمن الدولة، فيما يفرض عليه القانون ختم التحقيق وإيداعه النيابة العامة بعد أربعة أيام كحدٍّ أقصى. كذلك فإنّ التدقيق في مسار التحقيق يفرض الإشارة إلى عدة ثُغَر، بحسب المطلعين على التحقيق، ولا سيما بعدما أصدرت الهيئة الاتهامية في بيروت، برئاسة القاضي ماهر شعيتو وعضوية المستشارين بلال بدر وجوزيف أبو سليمان نتيجة الاستئناف المقدم من وكيل الموقوف المحامي علي الدبس، قرارها بترك الموقوف نتيجة قناعتها بعدم تحقق الجرم وعدم وجود أي ضحية!

الادعاء المسجّل لدى القضاء ضد الموقوفين ريتشارد غ. ومحمد ب. يشير إلى أنهما أقدما على نشر مرض وبائي، وأنّ ريتشارد خالف الأنظمة والقوانين بالنسبة إلى إجازة العمل. ورغم تبيّن القاضي والمحققين أنّ الموقوف محمد نقل فيروس الآيدز إلى ريتشارد، إلا أنّ القاضي حمادة أشار بتركه والإبقاء على ريتشارد. بمعنى آخر ، الادعاء كان يشمل «مشتبهاً فيهما» بالجرم نفسه، فكيف قرر القاضي ترك موقوف وأبقى الآخر في السجن؟ مسألة أخرى، إذا تبين لدى المحققين بعد التحريات التي أُجريت أنّ جُرم الموقوف لا يعدو كونه مخالفة الأنظمة والقوانين بالنسبة إلى إجازة العمل، فهل يستدعي هذا «الجرم» توقيفاً احتياطياً مخالفاً للقانون لمدة ١٤ يوماً؟ كأنّ القضاء يداري الفضيحة بإبقاء موقوف بجرم مبتدع (إصابته بمرض الآيدز)، بعدما تحوّل إلى قضية رأي عام! النيابة العامة خالفت نص المادة ٤٧ من دون الادعاء عليه بأي جرم، ما يُبيح للموقوف الادعاء عليها بجرم حجز حريته، وخاصة بعدما أبطلت الهيئة الاتهامية قرار قاضي التحقيق في بيروت فؤاد مراد واعتبار التوقيف واقعاً في غير محله القانوني. وعلى فرض صحة عدم قانونية اجازة العمل، فإنّ هذا الجرم لا يستوجب التوقيف الاحتياطي بقوة القانون لكون العقوبة المقررة لا تتعدى ثلاثة أشهر حبس. كذلك إنّ وزارة الصحه أكّدت عدم وجود أي مخاطر صحية من انتقال المرض، فضلاً عن أنّه لم يجرِ التثبت من وجود أي إصابة.

 

رفضت موظفة عدلية الإمساك بالملف الذي وقّع عليه الموقوف خشية إصابتها بفيروس الآيدز!

 

الانتهاك الذي ارتُكب بحق الموقوف لا يقتصر على محققي أمن الدولة والمحامي العام، بل يتجاوزهم إلى كثر. فقد رفضت موظفة عدلية (في دائرة قاضي التحقيق في بيروت فؤاد مراد) الإمساك بالملف الذي وقّع عليه الموقوف ريتشارد، مبررة ذلك بخشيتها من الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة! كذلك انتُهك حق الموقوف عندما جاءت محامية تُسلم العسكري إذن زيارة، فصرخ الأخير على مسمع العسكر والمساجين: «جبلي هيدا يلي معو آيدز عندو زيارة». كذلك عمدت فنانة استعراضية شهيرة إلى إجبار أحد أصدقاء ريتشارد على الخضوع لفحوصات مخبرية للتثبت من خلوِّه من المرض تحت طائلة فصله من العمل لديها!

لا يكاد جهاز أمن الدولة ينتشي بـ«إنجازٍ أمني» تَحقّق، حتى تتكشَّف ارتكابات وأخطاء اقترفها ضباطه وعناصره تُهشِّم صورة الجهاز الأمني أكثر مما هي مهشَّمة. المديرية التي اعتُقِد أنّها وصلت إلى الحضيض أيام مديرها السابق اللواء جورج قرعة لا تُحسَد على وضعها اليوم. هذه المديرية ترتكب الخطأ في معرِض السعي لتحقيق إنجاز أمني، وعندما تحاول التبرير تغرق أكثر فأكثر. ورغم حديث عدد من ضباطها عن استهداف تتعرّض له، إلا أنّ الوضع القائم يفرض على مجلس قيادتها إجراء مراجعة على مستوى العمل الأمني والضباط والعناصر العاملين في التحقيق. وللعلم، فإنّ مسؤولية الفضيحة تلو الأخرى يتحمّلها القضاء أيضاً الذي يُعَدّ المسؤول الأول عن كل أعمال التحقيق.

وتجدر الإشارة إلى أنّ أحد رتباء التحقيق الضالعين في هذه القضية، سبق أن استدعى الموقوف ريتشارد منذ عدة سنوات إلى أحد مراكز أمن الدولة وأبلغه أنّه مشتبه فيه في قضايا إرهاب وعلاقة مع مطلوبين، قبل أن يتبين أنّ الاستدعاء على خلفية نزاع مالي مع شخص يُدعى و. س. واحتجز الرتيب ريتشارد طوال النهار من دون محضر رسمي، ثم طلب إليه دفع المال لصديقه!

 

 

شبهات وردود من القضاء والأمن

ردّت مصادر قضائية وأمنية معنية بالتحقيق، على التساؤلات المثارة بشأن المخالفات التي ارتُكبت في قضية ريتشارد. وإذ وافقت المصادر على اعتبار إبقاء المشتبه فيه موقوفاً مدة ١٤ يوماً من دون ختم التحقيق مخالفة قانونية، إلا أنّها رأت أنّ هذه المخالفة لا تُلغي المحضر ولا تبطل التوقيف. وذكرت المصادر أنّ تمديد فترة التوقيف فرضته طبيعة المحضر الذي قُسِّم إلى ثلاثة أقسام. محضر الآداب بشأن علاقة جنسية بين الشابين ومحضر نقل «مرض وبائي»، والتثبت من إجازة العمل. ورأتّ المصادر أنّ إصدار قاضي التحقيق مذكرة توقيف، يُعدّ تغطية لكل الفترة السابقة التي كانت ستُعد فضيحة لو تُرِك الموقوف حراً! وقالت المصادر لـ «الأخبار» إنّه لم يجرِ توقيف المشتبه فيهما في محضر الآداب، بل تُركا بسند إقامة. وفي محضر نقل المرض الوبائي، تُرِك الذي «نقل العدوى» لأن صديقه رفض الادعاء عليه. أما عن استمرار توقيف ريتشارد قبل فسخ قرار التوقيف من قبل الهيئة الاتهامية، فقد اعتبرت المصادر أنّ «تصرفاته تشكّل خطراً على المجتمع». وكشفت عن إرسال ثلاثة كُتب إلى وزارتي الصحة والعمل ومحافظ بيروت. وأشارت إلى أنّ الكتاب الذي أُرسل إلى وزارة العمل للتثبت من أنّ إجازة العمل لأجنبي تستوجب فحصاً طبياً، مشيرة إلى أنّ الرد جاء بالإيجاب بعد عشرة أيام، متحدثاً عن وجوب إجراء فحص سفلس والآيدز، لكنّ الموقوف لم يُطلب منه إجراء فحص طبي، لكون والدته لبنانية وبحوزته إقامة مجاملة. وذكرت المصادر أنّ وزارة الصحة لم تُجب. كذلك لم يرُدّ المحافظ، لكنه عاد وأصدر بياناً بأنّه سيقفل المركز الذي كان يعمل فيه ريتشارد.

وانطلقت المصادر من قرار القاضي تمديد التوقيف بوجود احتمال قوي لنقل العدوى، فضلاً عن «اعتبار الاختصاصيين أن هناك إمكانية لنقل العدوى بحبر الوشم إذا انتقل الفيروس إليه»! إضافة إلى اعتبار القاضي أنّ الموقوف ريتشارد كذب في أحد الطلبات التي ملأها في مركز لإزالة الشعر باللايزر، إذ أجاب بالنفي عن السؤال عمّا إذا كان مصاباً بالآيدز، علماً أنّ الماكينة التي يستخدمها تُستخدم على بقية الزبونات. وذكرت المصادر أنّ إجازة العمل التي في حوزته صادرة على اعتبار أنه يعمل في شركة في النبطية بصفة مزين نسائي، لكنه لم يعمل يوماً فيها. وعلّقت المصادر بأنّه لو طُبِّق القانون، لما كان سيُمنح إجازة عمل أصلاً.