عالجت طوال الأجزاء الخمسة من هذه السلسلة نواحي مختلفة من حوار كمال جنبلاط مع حافظ الأسد كما كشفه كتاب “اللقاء القاتل”، وهو محضر حوار الزعيمين الراحلين الذي نشره الدكتور هادي وهّاب (دار نوفل، 246 صفحة، 2025). أمّا وأن أيّ جهة معنية لم تنف صحّة المحضر، فغالب الظن أنه دقيق. وبهذا يكون وهّاب قد وضع مشكورًا بين أيادي القرّاء وثيقة من أهمّ وثائق الحرب اللبنانيّة، أدناه بعض خلاصاتها.
أوّلًا، بسبب النهاية التراجيديّة لكمال جنبلاط على يد حافظ الأسد، هناك فهم شائع مفاده أن الرجلين كانا دومًا أعداء. تحتاج هذه السرديّة إلى مراجعة. يظهر المحضر بوضوح أن الأسد تدخّل بالحرب أساسا لمصلحة الحركة الوطنيّة، وأن كمال جنبلاط دعا الأسد لأن يتدخل. والحال أن المذكّرات الصادرة حديثًا للوزير السابق محسن دلّول، رفيق كمال جنبلاط بزياراته المتكرّرة للأسد، تؤكّد هذه النقطة. يروي دلّول أن كمال جنبلاط توجّه إلى سوريا بعد سقوط الكرنتينا بيد الكتائب عام 1975، وطلب من حافظ الأسد المساعدة. وبحسب دلّول، وافق الأسد، قائلًا: “عليكم أن تصمدوا، لا بل يجب أن نفكّر بعمليّة عسكريّة لتصحيح المعادلة على الأرض”. ويضيف دلّول أن الأسد، وجنبلاط، والمجتمعين، تداولوا بالهجوم على دير القمر، أو الكحّالة، أو الدامور، قبل أن يستقرّ الرأي على الأخيرة. كتب دلّول: “وتنفيذًا لهذا التوجّه دفع بأعداد كبيرة من قوّات التحرير الفلسطيني الموجودة في دمشق إلى لبنان استخدمت في موقعة الدامور المؤسفة عام 1975”. (مذكّرات محسن دلّول، الطريق إلى الوطن، ربع قرن برفقة كمال جنبلاط، تقديم وليد جنبلاط – جان عبيد، دار نوفل، 2025، 275 صفحة. راجع تحديدًا ص 207-208).
من المهمّ الانتباه عند قراءة “اللقاء القاتل” أن كمال جنبلاط لا يشتكي لأن حافط الأسد يتدخل بحرب لبنان، بل لأنه لا يتدخل بما يكفي. ذكّر جنبلاط الأسد: “منذ ستة أو سبعة أشهر سيادتك كنت تقول لنا: إذا انكسرتم أنتم وفي خوف من هذا الشيء، أنا أدخل الجيش السوري بلباس مدني وأحارب معكم” (صفحة 113). ماذا يعني هذا بالتحديد؟ الجواب: شجّع الأسد بخبث الحركة الوطنيّة على التورّط بقتال المسيحيّين. وعندما تورّطت فعلًا، واضطرّ المسيحيّون المحاصرون للقبول بتدخل سوريا التي ما وثقوا يومًا بنواياها تجاه لبنان، أرسل الأسد جيشه لتحقيق الحلم السوري القديم بالسيطرة على “المحافظة السليبة”.
ثانيًا، بسبب صعود نجم “حزب الله” في العقدين الأخيرين، هناك فهم شائع يربط “الممانعة” بـ “الحزب” حصرًا. والحال أن “الحزب” أخذ الممانعة إلى خواتيمها المنطقيّة، ولكنه لم يؤسّسها في لبنان. قبل الحرب الأهليّة، تمتع المسيحيّون بأرجحيّة في الحكم، ترجموها على مستوى الخيارات الاستراتيجيّة كما يلي: 1) رفض تحويل لبنان إلى دولة مواجهة ضدّ اسرائيل. 2) رفض التسليم بأولويّة المسألة الفلسطينيّة على المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة في لبنان. 3) رفض “العلاقات المميّزة” مع سوريا الأسد والأنظمة الراديكاليّة في المنطقة بحجّة فلسطين. معلوم طبعًا أن تجربة “حزب اللّه” لاحقًا انقلاب جذري على كلّ هذه الخيارات. ما ليس معلومًا بما يكفي – وما يظهره “اللقاء القاتل” بوضوح – هو أن كمال جنبلاط دعا صراحة لتحويل لبنان إلى “دولة مواجهة” (وهو ما فعله حسن نصراللّه لاحقًا)، وقال إن راديكاليّة سوريا الأسد بمواجهة إسرائيل هي الخيار الصحيح لا خيارات “الانعزال اللبناني” (وهو ما كان حسن نصرالله ليوافق عليه)، وأن القوى المسيحيّة الرافضة لكلّ ما سبق صهاينة قبل الصهاينة (وهو ما يقوله مناصرو حسن نصرالله إلى الساعة). بالحقيقة، إن كانت تجربة لبنان الأرجحيّة المسيحيّة قبل الحرب، وتجربة لبنان الحكم الشيعي بعدها، نقيضين على مستوى الخيارات الاستراتيجيّة، فتجربة الحركة الوطنيّة بقيادة كمال جنبلاط التي ضربت التجربة الأولى، مهّدت للثانية. ولإن كان حسن نصراللّه صار لاحقًا نجم الممانعة في لبنان، فكمال جنبلاط جذرها المؤسّس الأوّل.
ثالثًا، يظهر المحضر أن كمال جنبلاط تنبّأ أن موعد العلمنة حان قبل سنوات قليلة من التحوّل الأصولي الكبير في المنطقة، الذي لم يوفر لبنان. ليس تفصيلًا أن جنبلاط قاد الدروز لحرب ضروس ضدّ المسيحيّين تحت راية العلمنة في السبعينات من القرن المنصرم، بينما المنطقة على شفير المدّ الإسلامي الأصولي الذي انفجر في إيران عام 1979، وفي حادثة الحرم المكّي في العام نفسه، وصولًا لاغتيال أنور السادات عام 1981. من نافل القول إنّ الأصوليّين الإسلاميّين يكرهون الدروز والمسيحيّين معًا، فضلًا طبعًا عن كراهيتهم للعلمنة. المذبحة المؤسفة التي ألمّت بدروز سوريا مؤخرًا على يد قوى إسلاميّة محطّة من محطّات دامية طويلة بتاريخ الدروز عانوا فيها من التكفير، والانحياز المذهبي ضدّهم. وعند الحكم على مسار كمال جنبلاط السياسي، لا ينبغي إغفال المعادلة التالية: الوجود المسيحي في لبنان خطّ دفاع ضدّ القوى الأصوليّة التي تكره الدروز؛ ولكنّ أحدًا في تاريخ لبنان لم يفعل لإضعاف المسيحيّين بقدر ما فعل كمال جنبلاط.
يمكن هنا مقارنة كمال جنبلاط بمجيد أرسلان، واستطرادًا، سياسة الحزب اليزبكي بالجنبلاطي. مع أن كمال جنبلاط يستعلي بالمحضر على مجيد أرسلان الذي يصفه بـ “المسكين”، نعلم اليوم أن أرسلان، لا جنبلاط، كان أكثر حكمة بخياراته السياسيّة. بقدر ما كره جنبلاط ستاتيكو الجمهوريّة الأولى، بقدر ما ارتاح أرسلان إليه. وبقدر ما تحالف جنبلاط مع الميليشيات الفلسطينيّة، بقدر ما نفر منها أرسلان. من كان على حق؟ بماذا خدم انهيار الجمهوريّة الأولى الدروز – وهل حجمهم السياسي بالمعادلة اللبنانيّة أكبر اليوم بعد تراجع دور الموارنة؟ استطرادًا: هل كان أفضل للدروز أن يغطّوا انفلاش الميليشيات الفلسطينيّة (خيار جنبلاط)، أم أن يرفضوه (خيار أرسلان) مطلع الحرب اللبنانيّة؟ كانت ميليشيا “التقدّمي”، وميليشيا “الكتائب”، أقوى تنظيمين في لبنان. لو حارب المسيحيّون والدروز معًا، بدل أن يحارب بعضهم بعضًا، هل كان الفلسطينيّون تمكّنوا من التغوّل في لبنان كما تغوّلوا؟
والحال أن المشهد الدرزي مطلع الحرب كان أعقد من أن تختصره الجنبلاطيّة. المحامي فريد حمادة – ابن شيخ العقل اليزبكي رشيد حمادة – كان يحبّ بشير الجميّل، ويكره الميليشيات الفلسطينيّة، من دون أن يكون هذا التوجّه أو ذاك غريبًا على آل حمادة، أصحاب الخيارات اللبنانيّة الصرفة تقليديًّا. المير فيصل أرسلان كان بدوره وطنيًّا لبنانيًّا صميمًا، كوالده. وإذا ما أضفنا إلى عائلتي أرسلان، وحمادة، شخصيّات درزيّة أخرى من عائلات الأعور، ووهّاب، وتلحوق، وسواها، بدا أن المشهد الدرزي لم يكن بالأصل كتلة واحدة متحمّسة كلّها للتحالف مع ياسر عرفات. وإن كان الدروز قاتلوا إلى جانب عرفات فعلًا، فلأن كمال جنبلاط أراد ذلك، ولأن الحرب فرضت توحيد الطائفة تحت لواء المختارة. والحال أن استقواء كمال جنبلاط بعرفات عزز موقعه بالمعادلة اللبنانيّة، بما في ذلك ضدّ منافسية الدروز اليزبكيّين. أمّا ما إذا كان الدروز كطائفة استفادوا من تحالف كمال جنبلاط مع السلاح الفلسطيني، ومن تبعات هذا التحالف على بلادهم، وعلى علاقتهم بجيرانهم الموارنة، فمسألة تستحق التفكير.