IMLebanon

قانون التمديد.. زائف

لم يولِّ الشعب السلطة المشترعة حرية عملٍ لا حدود لها، ولا يسمح لها أن تتجاوز باسمه النصوص الدستورية بواسطة القوانين، وإذا فعلت تكون قد تجاوزت سلطتها، وهذا التجاوز على أحكام الدستور هو تجاوز لميثاق الأمة، ومعارضة لإرادة الشعب الممثلة فيه (غازي، فوزي – الرقابة على دستورية القوانين – العدل 1967- العدد الأول ص67).

تبنى المجلس الدستوري اللبناني هذه الفرضية عندما قضى بأن: القانون لم يعد في ذاته العمل المعبّر عن الإرادة العامة، أي إرادة الشعب، على ما كانت عليه القاعدة تقليدياً، إذ إن هذه القاعدة أضحت، بفعل إنشاء المجلس الدستوري وفي ضوء غاية إنشائه دستورياً وممارسته الفعلية لاختصاصه، أن القانون لا يمثل الإرادة العامة إلا بقدر توافقه وأحكام الدستور (المجلس الدستوري قرار رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005، وأيضاً القرار رقم1/2002 تاريخ 31/1/2002). وبموجب هذه الحيثية الأخيرة يكون المجلس الدستوري، قد قرر أنه لا يكون القانون قانوناً إلا إذا توافق وأحكام الدستور والمبادئ العامة ذات القيمة الدستورية.

أين هي المرتكزات الدستورية لقانون تمديد ولاية مجلس النواب؟

واقعاً لا أسانيد دستورية له، بل هو مخالف لأكثر من مادة دستورية، وهو غبن للشعب ومصادرةٍ لصلاحياته، ومن مطالعة اجتهادات المجلس الدستورية نستخلص هذا الموقف، حيث يقضي المجلس بأن مبدأ الانتخاب هو التعبير الأمثل عن الديموقراطية وبه تتحقق ممارسة الشعب لسيادته من خلال ممثليه، باعتباره مصدر السلطات جميعاً، ومنه تستمد مؤسسات الدولة شرعيتها الدستورية..، وإن حق الاقتراع، وبالتالي، حق المواطن في أن يكون ناخباً ومنتخباً، هو من الحقوق الدستورية، الذي يجسد المبدأ الديموقراطي، ويتولد عن حق الاقتراع، مبدأ دستوري آخر، هو مبدأ الدورية في ممارسة الناخبين لحقهم في الاقتراع، والذي ينطوي على وجوب دعوة الناخبين لممارسة حقهم في الانتخاب بصورة دورية وضمن مدة معقولة (المجلس الدستوري القرار رقم 1/1997 تاريخ 12/9/1997 وأيضاً القرار رقم 2/1997 تاريخ 12/9/1997).

كما أن الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والمواثيق الدولية وخصوصا الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية، نصت على ان ارادة الشعب هي مصدر السلطة، ويعبر عن هذه الارادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على اساس الاقتراع السري، فالانتخابات الحرة والنزيهة هي الوسيلة الوحيدة لانبثاق السلطة من الشعب، وهي اساس الديموقراطية البرلمانية (المجلس الدستوري القرار رقم 1/2013 تاريخ 13/5/2013).

واستناداً إلى ما تقدّم من اجتهادٍ راسخٍ للمجلس الدستوري، نستخلص أن قانون تمديد ولاية مجلس النواب رقم 16 تاريخ 11/11/2014 هو قانون غير دستوري، وفوق ذلك هو قانون مخالف للمبدأ الدستوري الذي يوجب أن يكون التشريع عاماً ومجرداً وغير شخصي، واي تشريع يخالف هذه المبادئ يكون تشريعاً منحرفاً، وبتمديد النواب لأنفسهم يكونون قد أقروا تشريعاً شخصياً يوصف بأنه مصاب بـ«الانحراف التشريعي».

لكلّ هذه الأسباب، ينطبق على هذا التشريع صفة التشريع المزيف، وهذا المصطلح قد أطلقه المجلس الدستوري اللبناني الذي اعتبر أن التشريع المصاب بالانحراف التشريعي، بمثابة التشريع الزائف، ويجعل التشريع الموصوف بهذا الخطأ نصاً عديم الوجود (المجلس الدستوري قرار رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005)، والعمل العديم الوجود هو العمل الذي لا ينشأ عنه أي مفاعيل قانونية ولا يرتّب أثراً، أي هو بمثابة العدم الذي لم ينشأ، ويعرِّفه مجلس شورى الدولة اللبناني بأنه العمل غير الموجود أصلاً لكونه صدر نتيجة اغتصاب السلط… أو لكونه مشوباً بمخالفات قانونية فادحة يستحيل معها اسناده إلى أيِّ حكمٍ من أحكام القانون. ويطال حتى المراسيم الاشتراعية التي لها قوة القانون، فإذا خالفت الاصول الجوهرية المفروضة صراحة في قانون التفويض والدستور، تجعل هذا المرسوم الاشتراعي عديم الوجود وباطلا من اصله (مجلس القضايا القرار رقم 14 تاريخ 19/11/1992، القاضي يوسف الخوري / الدولة ـ مجلة القضاء الإداري 1994 ص15).

وعليه، فإن قانون تمديد ولاية مجلس النواب هو قانون زائف وعديم الوجود، ولا يترتب عنه أي أثر قانوني وهو يعتبر كأنه لم يكن.