IMLebanon

تجربة رائدة لـ«الجامعة اللبنانيّة» في التصدّي للوباء: مختبر «كورونا»: وداعاً؟

 

   

 

مع قرار وزارة الصحة إيقاف فحوصات الـpcr للوافدين عبر المعابر الجوية والبرية، أُسدلت الستارة على تجربة رائدة لمختبر الجامعة اللبنانية في الحدث. على مدار سنة ونصف سنة، لم يتوقّف المختبر عن محاربة الوباء للحظة. وأظهر جنوده نشاطاً وكفاءة عالييْن من خلال إجراء 13 ألف فحص pcr يومياً بدقّة، والسرعة في الإعلان عن وصول المتحوّرات الجديدة. هذه المرحلة الذهبية، وإن انتهت، لن تُعيد المختبر إلى فترة ما قبل كورونا

 

بعد سنة ونصف سنة من العمل الدؤوب على مدار الساعة ومن دون أي يوم استراحة، ودّع الفريق البحثي في الجامعة اللبنانية «مختبر الكورونا» بدموعهم. هذا المختبر أتاح لهم فرصة إظهار إمكاناتهم البحثية، وأكّد دور الجامعة الوطنية أساتذة وطلاباً، في تحمّل المسؤولية في وقت تقاعست فيه المؤسسات الخاصة عن القيام بمهامها. يعبّر حمزة أحد العاملين فيه عن «القهر» لاتخاذ هذا القرار، منتقداً قرار إيقاف فحوصات الـpcr «نظراً إلى وجود حاجة علمية لرصد الحالات، ففيما حجم المناعة المجتمعية في لبنان يساوي 40%، كيف نعرف بوصول سلالة جديدة؟

 

 

أو بعدد المصابين الوافدين»؟

فهل يقطع فعلاً قرار وزارة الصحة وقف فحوصات الـpcr للوافدين إلى لبنان الشريان الحيوي لمختبر بيولوجيا السرطان وعلوم المناعة في الجامعة اللبنانية الذي عُرف بـ«مختبر الكورونا»؟

يقول الباحث في المختبر نادر حسين: «عملنا كان يرتكز على إجراء الفحوصات والاستفادة منها للترصّد الوبائي ومراقبة المتحوّرات التي تدخل إلى البلد». هذا الأمر توقّف في 28 شباط الماضي «بانتظار انطلاقة جديدة تضمن تطوره واستمراريته». ويؤكد المسؤول عن المختبر الباحث فادي عبد الساتر ذلك بالقول: «نحن في فترة استراحة محارب في مواجهة الوباء»، معتبراً أنّ المختبر يمرّ في فترة انتقالية و«تضع الجامعة الخطط لمشاريع بحثية منتجة تحاكي تجربة كورونا».

من جهته، يُعيد رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران انتهاء مرحلة التصدي للجائحة في المختبر البحثي إلى «انحسار فيروس كورونا وتراجع الحاجة العلمية لدراسته»، مشيراً إلى «توجّه لدراسة التسلسل الجيني وتشخيص الأمراض الوراثية مثل الأمراض السرطانية باستخدام أساليب متقدمة ولا سيما آلة (NGS) التي سيبدأ التدريب عليها الثلاثاء المقبل».

هذه الانطلاقة بحسب عبد الساتر، «تحتاج إلى وقت وإمكانات مادية». فكيف تتحقق فيما موازنة الجامعة لا تكفي لتأمين مادة المازوت لتشغيلها؟

كانت تجربة التصدي للجائحة كفيلة بتحقيق ذلك لو أنّ شركات الطيران لم تنهب 50 مليون دولار إيرادات الجامعة من فحوصات الـpcr على أساس مذكّرة التفاهم الأولى الموقّعة بين المديرية العامة للطيران المدني ووزارة الصحة والجامعة اللبنانية التي فرضت استيفاء الأخيرة 45 دولاراً على كلّ فحص pcr تجريه للركاب. يُذكر أن الجامعة كانت تتقاضى مستحقاتها على سعر صرف 3900 ليرة للدولار، حتى قرّرت شركات الطيران في تموز 2021 استيفاء بدل فحوصات الـpcr بالدولار الأميركي وتسليم الجامعة حصّتها بالليرة على سعر صرف 3900، ما رفضته الجامعة. ولم تردّ الأمانة إلى أصحابها إلى اليوم رغم صدور قرار ديوان المحاسبة بإلزام شركات الطيران دفع ما في ذمّتها للجامعة ووزارة الصحة بدل إجراء فحوصات الـpcr بالدولار.

 

نقلة نوعية لمختبر كورونا

صحيح أنّ الجامعة لم تستفد من تجربتها في التصدّي للوباء على الصعيد المالي من خلال إيرادات الفحوصات المنهوبة، إلا أنّ المختبر «لن يعود كما كان قبل الجائحة لأن التجربة أحدثت نقلة نوعية كبيرة فيه»، يُجمع الفريق البحثي على ذلك. ويشرح عبد الساتر: «المختبر أصبح مجهّزاً لوجستياً بالمعدات والآلات لإجراء جميع أنواع الفحوصات بما فيها فحص التسلسل الجيني بعد أن توفرت آلة للفحوصات الجزيئية للأمراض السرطانية. وهذا يمكّننا من إجراء فحص طفرات الأمراض السرطانية التي كانت تُرسل إلى الخارج».

قبل كورونا، كان المختبر كغيره من المختبرات العلمية ومراكز الأبحاث في الجامعة اللبنانية يعيش على فتات الموازنات وذا إمكانات ضئيلة جداً، إلى أن عرضت وزارة الصحة في تموز 2020 على الجامعة إجراء فحوصات الـpcr للوافدين وتحليل العينات في مختبرها، ووافقت. «خلال عشرة أيام كحد أقصى قمنا بتوسيع المختبر وشكّلنا فريقاً بحثياً من أساتذة باحثين في مختبر علم الأحياء الجزيئي البحثي في كلية العلوم ومختبر البيوتكنولوجيا في المعهد العالي للدكتوراه. فارتفع عدد العاملين في المختبر من حوالى 40 باحثاً وطالب ماجستير إلى 200 عامل، من بينهم طلاب حائزون على ماجستير بحثي من الجامعة وأكثر من 20 أستاذاً متخصّصاً في العلوم الجزيئية والعلوم السرطانية، و150 من خرّيجي كليات العلوم والصحة والسياحة في الجامعة اللبنانية يعملون في المطار»، كما يقول الباحث في المختبر قاسم حمزة. ويلفت عبد الساتر إلى أنّ «المختبر بدأ العمل بآلة فحص pcr واحدة ثم وصلته هبات من الخارج ووضعت شركات تصنيع مستلزمات أخذ العينات «kits» في تصرفه منها حتى صار عددها اليوم خمساً».

 

يتوجه المختبر لدراسة التسلسل الجيني وتشخيص الأمراض الوراثية باستخدام أساليب متقدّمة

 

 

كان التحدي كبيراً على الفريق البحثي والجامعة، ليس بسبب ضعف الإمكانات فقط، بل بسبب «عدم إيمان الجهات المحلية الخاصة والرسمية بقدراتنا. فعندما أعلنّا عن وصول سلالة ألفا إلى لبنان استخفوا بنا ولم يصدقونا»، على حد قول حمزة. لكن المختبر أثبت جدارته حتى «صار مرجعية علمية تطلب منه الوزارة إعلامها بوصول المتحور قبل الإعلان عنه إلى وسائل الإعلام، وتطلب منه شركات الـ«kits» تقييم منتجاتها وإعطاء رأيه فيها». ونجح المختبر، وفق عبد الساتر في «إجراء 13 ألف فحص pcr يومياً»، مشدّداً على أنها «فحوصات دقيقة»، وفي «إعداد الأبحاث ونشر المقالات العلمية في مجلات علمية محكّمة». إلى ذلك، «كان المختبر الوحيد القادر على الإعلان عن وصول متحورات جديدة لدى وصولها». ويلفت حسين إلى أن «المختبر أجرى أكثر من 150 ألف فحص شبه مجاني للمسح الميداني الذي طلبته وزارة الصحة، كذلك فحوصات مجانية لمؤسسات عسكرية ومؤسسات رسمية كالوزارات».

 

200 خرّيج خسروا وظائفهم

تجربة مختبر الجامعة اللبنانية بالتصدي للوباء تتعدى كونها تجربة ممتازة أظهرت كفاءة الأساتذة والباحثين وقدرة الجامعة اللبنانية على تقديم خدمات اجتماعية ومساعدة الدولة والحكومة. هذا المختبر المنتج ساعد حوالى 200 خرّيج من الجامعة في الحصول على فرصة عمل أولاً، وخبرة للعمل في المختبرات العلمية الخاصة ثانياً. و«كان لدى هؤلاء الخرّيجين دافع شخصي ومعنوي هائل للعمل حتى إنهم أمضوا أحياناً 12 ساعة و13 ساعة في المختبر من دون أن نطلب منهم ذلك»، بحسب عبد الساتر. مع إقفاله، يخسر الطلاب العاملون في المطار وفي المختبر البحثي مصدر رزقهم ويعودون إلى المربّع الأول: لا وظيفة ولا أمل بالحصول على وظيفة تتناسب مع شهاداتهم.