IMLebanon

لبنان في حداد  

لا شي نقوله اليوم لبنان في حداد، وغداً يومٌ تتّشح فيه البلاد بالسّواد كأنّه جزء من قدر أبنائها، مؤسف كلام العم حسين يوسف بالأمس بحقّ وزير الداخليّة نهاد المشنوق، صار إنجاز كبير كتنظيف سجن رومية تهمة، ليس هذا وقت الكلام الآن، لا أذاقنا الله ما ذاقه هؤلاء الأهالي طوال سنوات ثلاث، يموت لنا ميتٌ ونراه بأعيننا ونواريه التراب ومع هذا نردّد سؤالاً يجتاحنا، ماذا لو كان الطبيب مخطئاً، وحده الله يعلم هؤلاء الآباء والأمهات ماذا يفكّرون وكيف يفكّرون، وكيف استنتجوا أن في تطهير سجن رومية «توقيت ذلك في تلك المرحلة كان قاسياً بالنسبة لنا وقد اثر في مكان ما على الملف(…) في تلك المرحلة استشهد العسكريون»، وأيّ مشهد سنراه في الغد بعد انتهاء التكريم الرسمي؟ وماذا بعد التهديدات التي أطلقت بالأمس بالثأر من أبو طاقية وأبو عجينة؟ وما إذا كان لبنان سيدخل في دوامة دم الثأر؟!

تنظيف سجن رومية من إمارة الإرهابيين حمى لبنان واللبنانيين، وسيكون لنا حديث الأسبوع المقبل عن هذا الإنجاز الكبير، لا أذاقنا الله ما ذاقه هؤلاء الآباء والأمهات، ولا أذاقنا انهيار أملهم الأخير الأمس بعدما تلقّوا التأكيد بأنّ هذه الجثث تعود لأبنائهم، والد الشهيد محمد يوسف تمنّى لو بقي ابنه عشر سنوات غائباً على تلك الصورة لا أن يعود إليه بالشكل الذي عاد به، عندما يصبح عدم معرفة المصير الحقيقي لابن مفقود أهون بكثير من استعادة جثته تمنّياً وأملاً بوهم حياة يدرك الإنسان حجم الكارثة التي حلّت بهؤلاء، مع أن الجميع كان يعرف أنّ الجثث المستعادة هي للعسكريين المختطفين، كان ذووهم لا يريدون أن يصدّقوا، ألا يقول المثل «الغريق بيتعلّق بقشّة»، قشّة الـ DNA كسرت ظهورهم بالأمس، والمكلوم يضجّ بكلام كثير قد يجافي الحقيقة كثيراً، خصوصاً وأنّ جرائم داعش في الإعدام والإحراق وقطع الرؤوس لا تحتاج سبباً ولا دافعاً ولكن «الضّنى غالي».

لن يكون يوم غد الجمعة يوماً عصيباً فقط، بل مأساويّاً، ولكن التخوّف هو مما بعده، لقد شاهدنا والد وعائلة أحد العسكريين الذي استشهد على يد جبهة النصرة وهم يأخذون ثأرهم من شاب لقرابته فقط من أبو طاقيّة، هذا مشهد مخيف، وهل من المفترض أن يُحبس آل الحجيري وآل فليطي في بيوتهم في عرسال حتى لا تطالهم عمليّة التهديد بالأخذ بالثأر؟ ماذا لو ذهبت الأمور في منحىً خطر جدّاً وانفلت زمام الأمور؟ كان الله في عون لبنان!

المطلوب في هذه الأيام العصيبة أن يتحرّك القضاء اللبناني مع انتهاء عطلته بتعجيل محاكمات الإرهابيّين الموقوفين، وأن لا يكون إصدار أحكام الإعدام مجرّد حبراً على ورق حيث تصدر الأحكام ويتم تعطيل تنفيذها خوفاً من الضغوط الدوليّة وجماعات «حقوق الإنسان»، خصوصاً أننا أمام جرائم إرهابيّة كبرى نالت من الشعب اللبناني كلّه وليس فقط من أهالي العسكريين.. والمطلوب أيضاً من المشرّع اللبناني الإسراع في سنّ قانون للجرائم الإرهابيّة ـ من دون أن تسوّل أنفس البعض  تحت عنوان تحديد معنى الإرهاب على طريقة بشّار الأسد ـ فالقتل شيء والإرهاب شيء آخر، خصوصاً عندما تنفّذه تنظيمات، العالم كلّه متّفق على إرهابها.

يدخل لبنان منذ الغد دوامة سوداء، ستتسابق الوجوه السياسيّة للاستثمار على حساب أحزان أهالي العسكريين، مثلما تسابق البعض على خيمتهم مع انتشال رفات أبنائهم، وستتسابق شاشات «السكوب» على طلب استضافتهم وتحريك الخناجر في جراحهم واستدراجهم إلى فخّ رمال متحركة ونيران فتن لبنان بغنى عنها، خصوصاً وأن هذه الشاشات والأهالي عاجزين عن توجيه مجرّد اتهام حزب الله الذي جرّ لبنان وجنوده في عرسال إلى محنة طالت ثلاث سنوات ومنع الحكومة في بداية المحنة من استرجاع الجنود اللبنانيين من يد الإرهاب بحجة عدم التفاوض مع إرهابييّن ثم فاوضهم بنفسه لاستعادة أسراه وجثث مقاتليه وجثث وأسرى إيرانيين على حساب دماء جنود الجيش اللبنانيّين.