لم يكن اتفاق معراب، الموقع عام 2016 بين “التيار الوطني الحر” و “القوات اللبنانية”، مجرد تفاهم سياسي عابر أنهى خصومة تاريخية، بل شكّل محطة مفصلية أعادت رسم التوازنات داخل الشارع المسيحي وفتحت الطريق أمام انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية. غير أن المسار الذي سلكه هذا الاتفاق لاحقًا كشف خيانة من خانوه، وحوّله من مصالحة مأمولة تحمل الخير للمسيحيين إلى تجربة سياسية مثقلة بالخيبات والدروس.
عند توقيع اتفاق معراب، وجد سمير جعجع نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. فبصفته الزعيم المسيحي الأبرز في قوى 14 آذار آنذاك، كان رفضه دعم ميشال عون سيُستخدم ضده سياسيًا، ويُصوَّر أمام الرأي العام المسيحي، ولا سيما النخبوي منه، على أنه من يعطّل وصول “الرئيس القوي”. وكانت شريحة واسعة من المسيحيين ترى في ذلك الوقت أن انتخاب عون قد يشكّل فرصة لإنقاذ البلاد من الانسداد السياسي والمؤسساتي. من هنا، لم يكن دعم جعجع لعون مجرّد تنازل، بل كان خيارًا محسوبًا لتجنب خسارة المصداقية، والدخول في تسوية مشروطة تقوم على الشراكة واحترام التفاهمات المعلنة.
إلا أن ما حصل لاحقًا جاء معاكسًا لكل التوقعات. فقد وصل ميشال عون إلى قصر بعبدا من بوابة معراب نفسها التي خاصمها سياسيًا لعقود، لكنه حكم خارج مضامين كل الاتفاقيات التي سبقت انتخابه. بدءًا من إعلان النيات الموقع في الرابية في 2 حزيران 2015، وصولًا إلى المبادئ العشرة التي أعلنها سمير جعجع في لقاء معراب وأيّدها عون يومها صوتًا وصورة، قبل أن يتنصّل منها عمليًا في مسار الحكم، ما أفقد الاتفاق جوهره السياسي وحوّله إلى غطاء مرحلي للوصول إلى الرئاسة.
ولم يقتصر الأمر على تجاهل التفاهمات، بل تعدّاه إلى تعطيل أي حوار جدي حول القضايا السيادية. فقد رفض عون عقد ولو جلسة واحدة للنقاش حول الاستراتيجية الدفاعية، نزولًا عند رغبة “حزب الله”، ما كرّس عجز الرئاسة عن لعب دور الحكم الجامع. وفي الداخل، تفاقمت الخلافات داخل السلطة نفسها، وصولًا إلى صدام سياسي مع قائد الجيش آنذاك جوزاف عون، فقط لأنه رفض استخدام المؤسسة العسكرية لقمع المتظاهرين خلال انتفاضة 17 تشرين، في مؤشر إضافي على طبيعة إدارة العهد للأزمات.
ومع تعمّق الانهيار المالي والاقتصادي، وتفجّر كارثة مرفأ بيروت، تبيّن أن رئيس الجمهورية ميشال عون كان على علم بوجود نيترات الأمونيوم قبل نحو خمسة عشر يومًا من الانفجار من دون أن يُتخذ أي إجراء فعلي. عندها، بات العهد العوني يُصنف بين أسوأ العهود التي مرّت على لبنان، ليس فقط بسبب حجم الانهيار، بل بسبب نكث العهود من قبل ميشال عون وجبران باسيل، ولا سيما مع “القوات اللبنانية”، وتحويل الرئاسة من موقع توافقي إلى ساحة صراع وتحالفات ضيقة.
في المقابل، أفرز مسار ما بعد معراب مفارقة سياسية لافتة. فسمير جعجع، الذي دخل الاتفاق من موقع المراهنة المشروطة، خرج منه محققًا للمرة الأولى في مسيرته السياسية انتصارًا واضحًا في الرأي العام المسيحي، وخصوصًا في أوساط النخب التي كانت تؤيد ميشال عون لسنوات طويلة. وقد أظهرت تجربة معراب أن جعجع أحسن إدارة المعركة السياسية، ووضع خططًا بديلة لاحتمال الغدر، وهو ما حصل فعليًا، فكانت النتيجة انقلابًا في المزاج المسيحي العام لمصلحة “القوات اللبنانية”.
هكذا، تحوّل اتفاق معراب من تسوية رئاسية إلى وثيقة إدانة سياسية لعهد كامل. فبينما خسر ميشال عون وجبران باسيل رصيدهما الشعبي والسياسي، راكم سمير جعجع نتائج موقفه، ليعيد رسم موازين القوى داخل الشارع المسيحي ويكرّس نفسه لاعبًا أساسيًا في معادلة ما بعد العهد. وبين معراب الأمس ولبنان اليوم، يتضح أن الخطة (ب) التي وضعتها “القوات” أعطت مفاعيلها، ويتضح ايضًا أن التزام عون في اتفاق معراب لو حصل، لكان المسيحيون في مكانٍ آخر.