IMLebanon

لقاءات عيد الفطر السعيد تمهد الى جمهورية حرة

لقاءات عيد الفطر السعيد تمهد الى جمهورية حرة

قصة الأخطاء والانفراجات على طريق بعبدا

ومبادئ التوافق تبحث عن مرشح توافقي

في العام ١٩٥٨، اتفق الرئيس الاقليمي الكبير جمال عبد الناصر والزعيم الدولي دوايت ايزنهاور على وقف الثورة أو الفتنة في لبنان، من خلال الاتفاق على قائد الجيش الأمير اللواء فؤاد شهاب لرئاسة الجمهورية.

واتفاق البكباشي المصري، والجنرال الأميركي كان بداية انتهاء الثورة المسيحية ونهاية الانتفاضة الاسلامية في لبنان. وجرى التفاهم على رشيد كرامي لرئاسة الحكومة.

في المفاهيم السياسية، تدفع الغلطة الى انتفاضة ويجر التفاهم الى الوحدة. يعترف الرئيس حسين العويني في العام ١٩٥٨ بأن الخطأ الذي ارتكبه رشيد كرامي، عند تأليفه الحكومة الأولى في بداية عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب، اختياره وزيراً مرموقاً هو يوسف السودا وزيراً للعدلية، وهو من بلدة بكفيا عرين الزعيم الماروني بيار الجميل، واغضاء الطرف عن الزعامة المسيحية معقودة اللواء لحزب الكتائب اللبنانية في جهة، ولحزب الكتلة الوطنية في الجهة الأخرى، يومئذٍ انتفضت المنطقة المسيحية بزعامة بيار الجميل ضد الحكومة الكرامية وبقي حزب الكتلة الوطنية في موقع المراقب. وهكذا نشأت أزمة حادة في البلاد، المسيحيون ضد الحكومة العتيدة، والمسلمون معها، وكانوا يومئذٍ يدينون بالولاء للزعيم العربي جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة المؤلفة من سوريا ومصر.

في ذلك الوقت العصيب، أدرك العميد ريمون اده ان البلاد لا يمكن ان تستقر الا اذا تألفت حكومة مناصفة قوامها الحزبان الأكثر نفوذاً مسيحياً، أي من الكتائب والكتلة والأحزاب الأكثر نفوذاً اسلامياً، فاستدعى أحد أبرز أصدقائه، وأرسله الى الرئيس فؤاد شهاب، واقترح عليه باسمه، تأليف حكومة رباعية تضم الرئيسين رشيد كرامي وحسين العويني عن المسلمين، وبيار الجميل وريمون اده عن المسيحيين.

لم يصدق فؤاد شهاب ان العميد يقترح عليه هذا الاقتراح، ويوافق على العمل معه، وهو المعروف ب عناده ضد التعاون مع العسكر ومع الشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب اللبنانية. واستدعى فؤاد شهاب رشيد كرامي وعرض عليه اقتراح العميد الذي وصل اليه قبل ٤٨ ساعة، عبر وزير سابق موثوق به.

وهكذا تألفت الحكومة الرباعية من رشيد كرامي وزيراً للمالية والاقتصاد، ومن حسين العويني وزيراً للخارجية والعدلية، وريمون اده للداخلية والشؤون الاجتماعية وبيار الجميل للاشغال العامة والتربية الوطنية.

الا ان العميد نفذ القانون بصرامة العسكر، ونفذ حكم الاعدام وبسط القانون وتفاهم مع فؤاد شهاب ونشأ بينهما احترام وود نادران.

لكن الوزارة الرباعية لم تعمّر، وأخذت أوراقها تتساقط وتتناثر، بعدما أرست القوانين على أسس قوية، بعد ثورة استمرت تسعة أشهر.

كان فؤاد شهاب حريصاً على استمرار حلف البكباشي جمال عبد الناصر والجنرال الاميركي ايزنهاور، خصوصاً وان الأول يسعى الى ترويض العدو الاسرائيلي، وان الثاني كان يهمه انهاء الاستعمار البريطاني من دون ان يخفي طموحاته الى وجود استعمار جديد ولو بثياب بريطانية.

قرر فؤاد شهاب مع رئيس وزرائه رشيد كرامي توسيع الحكومة الرباعية، وعاد بتفكيره الى رجل كان يدغدغ طموحاته من حيث القوة والنزاهة في القرار، وتبادرت الى ذهنه قصة، بوجود الامين العام لرئاسة الجمهورية الاستاذ الياس سركيس.

وروى الرئيس شهاب لهم القصة: عندما كنت قائداً للجيش، ذهبت مع وزير الدفاع يومئذٍ الأمير مجيد ارسلان الى المحكمة العسكرية، وهناك تجرأ قاض على رفض صارم لقرار وزير مخالف للقانون.

وقال فؤاد شهاب للرئيس الياس سركيس: أريدك أن تبحث عن هذا الرجل، لأضمه الى الحكومة الآتية.

ذهب الياس سركيس للسؤال عنه فقيل له، إن الرجل استقال من القضاء، ويعمل في المحاماة ويدعى فؤاد بطرس.

بعد العثور عليه، اتصل به هاتفياً وفهم منه أنه يصطاف في عاليه ويعود الى مكتبه في الاشرفية، واتفق الرجلان على اللقاء في اليوم الثاني في مقهى يقع في منطقة فرن الشباك، ولما كانا لا يعرفان بعضهما، فقد اتفقا على نوع اللباس.

وتم اللقاء في اليوم التالي، استعاد كل منهما ذكرياته، وطلب منه الياس سركيس ألا يصعد الى الجبل، لأنه سيتلقى هاتفاً مهماً من مسؤول كبير.

وفي اليوم الثاني رنَّ الهاتف في منزل فؤاد بطرس، وكان الاتصال من القصر الجمهوري وحمل دعوة الى المحامي الأرثوذكسي لزيارة رئيس الجمهورية، في منزله في جونيه.

وهكذا، قدمه الرئيس فؤاد شهاب الى الرئيس رشيد كرامي، وخرج من ذلك اللقاء مشروع وزير للتربية الوطنية.

هل البلاد الآن أمام فرصة جديدة لاختيار رئيس جديد للجمهورية، بعد انقضاء عامين وثلاثة أشهر، والوطن في فراغ قاتل، ومعظم المؤسسات فيه مشلولة ورئيس مجلس الوزراء تمام سلام، يصف حكومته بأنها الأسوأ والأفضل في تاريخ لبنان.

قال رئيس مجلس الوزراء هذا الكلام، وودّع دار المصيطبة معقل والده الراحل صائب سلام، الى السعودية وأدى العمرة، ومارس صلاة عيد الفطر السعيد مع الملك سلمان العاهل السعودي وتناول الفطور مع الرئيس السابق سعد الحريري، بعد نكسة الحلفاء ذلك ان تمام سلام جمع قبل أسبوعين، النقيضين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، وتقاسما الفشل في الانتخابات البلدية في طرابلس وتفوّق فيها الوزير الحريري الهوى اللواء أشرف ريفي نال ١٨ عضوا في الانتخابات البلدية مقابل ستة مقاعد لتحالف الحريري والميقاتي وسائر زعماء المدينة والأطياف السياسية والطائفية.

والملفت للأنظار، ان اللواء أشرف ريفي فرض نفسه ركناً سياسياً بارزاً على المستقبل، وزعيماً يشار اليه بالبنان، فدعاه الزعيم الطرابلسي معن كرامي، شقيق الرئيس الشهيد رشيد كرامي والرئيس المغفور له عمر كرامي، وعمّ الوزير كرامي الى لقاء حميم، لا يمكن التكهن بنتائجه، باعتبار ان الزعامة الكرامية محسومة للوزير السابق فيصل لا لعمّه معن.

فجرح الانتخابات البلدية في طرابلس، لا يندمل بسرعة، وان حاول الرئيس سعد الحريري، لدى مجيئه، بعد ذلك الى طرابلس واقامة ثلاثة أيام فيها، ترميم العلاقات مع الرئيس نجيب ميقاتي والغمز أكثر من مرة، من علاقاته مع حليفه السابق الوزير المستقيل والفائز في الانتخابات البلدية أشرف ريفي، الذي جعل صديقه ومرشحه، يتربّع على عرش رئاسة بلدية طرابلس.

إلاّ أن مفاجأة عيد الفطر السعيد كانت مخالفة لكل التوقعات، فقد صودف اجتماع السنّة والشيعة في الاحتفال بالعيد في يوم واحد، وصودف استنكار ايران للعدوان الارهابي على السعودية وبعض دول الخليج،.

أما المفاجأة الثانية، فقد كانت الاتفاق المفاجئ بين الرئيس نبيه بري ووزير الخارجية جبران باسيل على بلوكات النفط المجمّدة مفاعيلها منذ ثلاث سنوات، الأمر الذي مهّد لزيارة غير متوقعة قام بها الرئيس العماد ميشال عون للرئيس نبيه بري في عين التينة، بعد الأيام المغلقة في وجه أي اتفاق بين الزعيمين: قائد حركة أمل، وقائد التيار الوطني الحر، خصوصا وانها ترافقت مع مبادرتين أخريين للعماد عون، في زيارة عيدية لمفتي الجمهورية وأخرى في اتصال مباشر بالسفير السعودي في لبنان.

هل تؤدي الزيارتان الى ترميم العلاقة بين الجنرال والسعودية وبين الجنرال وتيار المستقبل.

بيد ان الرئيس بري سارع الى التنويه في مبادرة الجنرال، لكنه تحفظ على النتائج، إذ حذر من أي رهان على التحالف السياسي مع التحالف النفطي.

ويقال ان الرئيس بري، وهو اللاعب السياسي الماهر، يضع لكل مبادرة حساباً، فهو لا يريد أن يبيع اتفاقه النفطي مع الوزير باسيل لأحد، لكنه لا يحب أن يقطع أي آمال في المستقبل، فهو له مرشحه لرئاسة الجمهورية هو الوزير السابق جان عبيد، ولا يتخلّى بسهولة عنه، لما يكنّه له أركان بارزون في تيار المستقبل وحياديون. كما انه لا يحب ان يقطع شعرة معاوية مع السفير اللبناني لدى الفاتيكان ولا الوزير السابق ورئيس الاتحاد الماروني، ولا مع المرشح الثالث المطروح، ولكن من دون ان يجد له مخرجاً سياسياً في الآفاق المقبلة، ذلك ان معظم التكهنات واردة.

إلاّ أن هذه التكهنات، لا تقطع أبواب الأمل، الى امكانات التوافق بين الرئيس نبيه بري والعماد عون، لأن للجنرال حساباته، ولزعيم ساحة النجمة أبعاده، والقانون الانتخابي الذي يراهن عليه.

طبعاً، لا يستبعد الرئيس بري، احتمالات ترميم العلائق بين زعيم تيار المستقبل سعد الحريري والدكتور سمير جعجع، وان كان رئيس الكتلة النيابية للمستقبل فؤاد السنيورة يضع فيتو كبيراً على وصول الجنرال الى القصر الجمهوري.

ويقول مرجع نيابي ان لا رئيس جديداً لرئاسة الجمهورية في المدى المنظور، إلاّ اذا اتفق الثلاثي: الحريري ونصرالله والجنرال على سلّة مطالب يتعهّد العماد عون بتنفيذها اذا ما وصل الى رئاسة الجمهورية.

وفي رأي الرئيس حسين الحسيني ان اتفاق الطائف يبقى أساساً لكل مبادرة رئاسية، ومن هنا فان الرهان على رئيس توافقي، لا على رئيس ثالث هو المخرج لأي حلّ رئاسي، لأن ثمة اجماعاً مسيحياً، معطوفاً على قيادة اسلامية، يرفض العودة الى أي مرشح لا يحظى بقوة الرأي ضد مجرد الوصول الى الرئاسة، لأن رئيساً يقود الجمهورية الى نظام دستوري منبثق من الطائف، أفضل من الهذيان السياسي والأزمات المتداولة.

وفي معلومات دقيقة، يقول العارفون بالأسرار، ان ثمة ارادة دولية قوامها الولايات المتحدة وفرنسا، هدفها واحد: رئاسة لبنانية لا رئاسة غامضة في الآفاق السياسية.

وهذا هو ما يشير الى ان التوافق على الرئاسة، الذي جرى إبان عصر بشارة الخوري ورياض الصلح، مرشح للتكرار اذا ما أحسن القادة اللبنانيون اللعب على التباينات والصراعات، لأن البلاد لا تعيش من دون نظرات متباينة، وإلاّ لكان الفوز في امكان أي قوة سياسية تبرز في مراحل سياسية معينة.

ويرى هؤلاء ان شروط العميد الراحل ريمون اده، للترشح للرئاسة الأولى، لم تكن مجرّد اعلان نيّات بل كانت فهماً لحقيقة لبنان الذي لا ولن يستمر إلاّ ان تحالف الأقوياء على ايصال رجل قوي يحكم ولا يحاكم الى القصر الجمهوري.