يُعاد اليوم طرح فكرة “الفصل” بين الجناح العسكري والجناح السياسي لـ “حزب اللّه”، وكأن المشكلة تكمن في سلاح منفلت يمكن احتواؤه، لا في مشروع متكامل متجذر في بنية الدولة والمجتمع. هذا الطرح، في جوهره، يتجاهل حقيقة تأسيس “الحزب”، ووظيفته، وطبيعة علاقته بإيران، ويتغاضى عن توصيف دقيق قدّمه المفكر اللبناني وضاح شرارة حين وصف الحالة بأنها “استدخال” – أي تحوّل الهيمنة الخارجية إلى جزء عضويّ من الداخل السياسي والمؤسّساتي.
منذ نشأته، لم يكن “حزب اللّه” حركة مقاومة طارئة ولدت فقط من رحم الغزو الإسرائيلي عام 1982، كما يروّج لنفسه، بل كان ثمرة مسار فكري وعقائدي سابق نشأ في مدارس النجف الدينية خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي. هناك، تشرّب طلاب العلم اللبنانيون فكر محمد باقر الصدر، المعادي للعلمانية واليسار، وتأثروا أكثر بأيديولوجيا روح اللّه الخميني القائمة على “ولاية الفقيه”. هذا التكوين لم يكن دينيًا صرفًا، بل مشروعًا سياسيًا عابرًا للحدود، يرى في الدولة الوطنية إطارًا موقتًا أو عائقًا.
عودة هؤلاء الطلاب إلى لبنان بعد قمع صدام حسين المؤسسات الشيعية في العراق، ترافقت مع ثلاثة تحوّلات كبرى: تأسيس حركة أمل ثمّ ابتعادها عن الطابع الإسلامي بعد تغييب موسى الصدر، الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978، ثمّ الثورة الإيرانية عام 1979. هذه العوامل وفرت البيئة المثالية لتبلور تنظيم شيعي مسلّح مرتبط عقائديًا وسياسيًا بطهران. وعندما وقع الغزو الإسرائيلي عام 1982، لم يكن التدخل الإيراني سوى لحظة ترجمة عسكرية لمشروع جاهز فكريًا وتنظيميًا.
منذ البداية، لم يفصل “الحزب” يومًا بين “السياسي” و “العسكري”. الرسالة المفتوحة عام 1985، والتي تعتبر الإعلان الرسمي لبداية هذا التنظيم بعد تمكنه من الضاحية البيروتية بعد الفرز السكاني، كانت صريحة: الولاء لولاية الفقيه، واعتبار الخميني “القائد الواحد الحكيم والعادل”، ورفض النظام اللبناني والدعوة إلى دولة إسلامية. هذا النصّ التأسيسي لا يقدّم جناحًا سياسيًا مستقلًا، بل جهازًا سياسيًا وظيفته حماية السلاح، وتبرير وجوده، وتسهيل اندماجه في مؤسسات الدولة من دون الخضوع لمنطقها.
بعد اتفاق الطائف، أعاد “حزب اللّه” توصيف جناحه العسكري كمقاومة، لا كميليشيا، فاحتفظ بسلاحه، ثمّ دخل البرلمان عام 1992. هنا يتجلّى “الاستدخال” بأوضح صوره: السلاح لم يعد خارج الدولة، بل داخلها، محميًّا بشرعية سياسية ودستورية مشوّهة. الجناح السياسي لم يكن يومًا مساحة نقاش أو قرار مستقلّ، بل غطاءً مؤسّساتيًا للقرار العسكري المرتبط عضويًا بإيران، عقائديًا وماليًا وتنظيميًا.
لذلك، فإن الحديث عن فصل الجناحين ليس سوى وهم سياسي. فـ “الحزب”، في بنيته ووظيفته، كيان واحد، مشروعه يتجاوز لبنان، وجناحه السياسي ليس سوى الأداة التي تُدخل الهيمنة الإيرانية إلى قلب النظام اللبناني. ما دام هذا “الاستدخال” قائمًا، يستحيل أي فصل، لأن المطلوب ليس معالجة ذراع، بل تفكيك مشروع كامل أعاد تعريف الدولة من الداخل.