IMLebanon

وزير الطاقة يلتهي ويبرّر  

 

 

وزير الطاقة الاخير لم يقدّم مشروعاً لإنارة لبنان وتأمين الكهرباء للمصانع، والمدارس، والمستشفيات ومؤسّسات الدولة، هو يردد أفكاراً عرضت منذ سنوات ولم تنفذ، ويبتعد عن تنفيذ مشاريع ممكنة مثل صيانة معامل الكهرباء المنجزة في مجرى الليطاني.

 

آخر إبداعاته كانت منذ اسبوعين أو ثلاثة حينما بشّر اللبنانيين بتوافر الغاز المصري، والكهرباء من الاردن من حقلها لإنتاج الكهرباء بالألواح الزجاجية الكهربائية، وهو أكد أنّ الأمر المطلوب تأمين التمويل لإنجاز العمل من قبل البنك الدولي، وأنّ توافر التمويل سيسمح باستيراد الغاز والكهرباء خلال شهرين.

 

قبل انقضاء اسبوعين كان هذا الوزير المفترض انه اختصاصي في الارقام والادارة يعلن ان عدم توافر التمويل من البنك الدولي سيؤدي الى تكليف اصحاب المولدات الخاصة تأمين 16 ساعة من التغذية يومياً لحاجات المنازل، والمستشفيات، ودوائر الدولة (ومنها قاعات المحاكم التي تحتاج للكهرباء لتأمين النظافة وإمكانات طبع الاحكام.. الخ) والمصانع، والمؤسّسات والجامعات.

 

لقد بنى افتراضاته على إدراكه بأنّ المولدات الخاصة الكبيرة والمتوسطة أصبحت توفر طاقة مقدارها 1200 ميغاواط، أي ما يفوق المتوافر في معملي الكهرباء المتوقفين تقريباً عن الانتاج بسبب عدم توافر المازوت، وهو هنا أبدى مدى ذكائه فاعتبر ان مصرف لبنان سيوفر التمويل للمازوت لإنتاج المعامل الخاصة وحينئذٍ يمكن حل المشكلة، والواقع ان هذا الخيار لو حصل سيؤدي الى زيادة عجز الدولة بنسبة تفوق العجز المتوقع لأنّ استهلاك المولدات الصغيرة لتوليد كل ميغاواط يفوق استهلاك المصانع الكبيرة المتوقفة بنسبة 50٪ وبالتالي تضيف الى العجز مبلغاً أكبر، بدل أن نخصص مبلغاً صغيراً نسبياً لصيانة المعامل القائمة في مجرى الليطاني والمتوقفة عن العمل منذ سنوات.

 

بالتأكيد أفضل ما يمكن تحقيقه في حال ولادة حكومة جديدة تستطيع اتخاذ قرارات جدية قابلة للتنفيذ انتقاء وزير بدل هذا الاختيار الذي واجهنا باقتراحات غير عملانية وغير مدروسة مرة بعد اخرى. فعسى أن يكون هنالك وزارة تتجاوز مهماتها تسيير الامور فقط، كما هو حال وزارة الميقاتي، ويعود لنا الأمل في معالجة قضية الكهرباء التي وضعت في أيدي التيار الوطني الحر ووزرائه وحلفائه منذ عام 1998 وحتى اليوم، أي على مدى 24 سنة. فمصر ستنجز زيادة طاقة الانتاج لديها بـ14 ألف ميغاواط خلال سنتين، ونحن نشيح النظر عن عروض الالمان الذين حققوا الزيادة في مصر، وعن عروض الكويت، وتقول لنسمع خطب المناحة المضجرة والتي تدفع بأي شاب متمتع بمقدار من الفطنة الى طلب الباسبور للهجرة من البلد السعيد، البلد الذي كان يشع بالانجازات العملية والفكرية والعلمية بمستشفياته المميزة، وأطبائه المقتدرين، بلد كان فيه عدد من السياسيين المخلصين مثل ريمون إدّه، ونصري المعلوف، وفؤاد شهاب وفؤاد بطرس، والياس سركيس، وسليم الحص، ورياض الصلح، وسامي الصلح (الذي اسمي بأبي الفقراء) والكبير الكبير كمال جنبلاط، فكيف أصبنا بالمرض ليصبح لدينا وزراء من طينة وزير الطاقة؟

 

إنّ الحل معروف. تشكيل هيئة ادارة شؤون الطاقة من خبراء في الهندسة الكهربائية والهندسات المالية من اصحاب الكفاءة والنزاهة، والوزير الحالي يلقي اللوم على تأخر البنك الدولي في تمويل مشروعه غير المدروس من كافة جوانبه، وهو يعلم ان البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وصندوق النقد الاوروبي، والصندوق الكويتي جميعاً يشترطون إنشاء الهيئة المشار إليها وتكليفها، بوضع شروط تخصيص هذا القطاع. فالكهرباء الضرورية لجميع مستوجبات النمو الجسدي والذهني لا يجب أن تكون منقطعة ولا يعتمد عليها، وبالتالي استمرار لبنان، ووزراء الطاقة في شرح اسباب العجز، كل ذلك يحدث والاردن البلد الاكثر شكوى وعدد سكانه يفوق السكان في لبنان، والذي كان يشكو من قلة توفر النقد الاجنبي، ينجز حقلاً لإنتاج 1000 ميغاواط ويبدي استعداداً لبيع كميات ملحوظة، ولبنان يبقى مرتهناً لوزراء الطاقة تولوا امر تأمين الكهرباء على مدى 24 سنة، وكل ما أورثونا اياه ديوناً تبلغ 46 مليار دولار قبل احتساب الفوائد، وبعد احتساب الفوائد تكون كلفة الكهرباء ديناً على مستوى 66 مليار دولار.

 

من مهازل هذا العهد انه يسعى الى تبرير العجوزات بسبب تزايد الحاجة للكهرباء وعدم توافر النقد الاجنبي لتمويل إنشاء المعامل واستيراد المحروقات التي كانت مدعومة بقرارات مجلس الوزراء، والتي تسببت في تسرّب 30٪ من المحروقات المدعومة الى سوريا دون أي تعويض على لبنان، ورغم ان المهجرين السوريين يحصلون على مساعدة دولية سنوية فإنهم لا يسددون فواتير الكهرباء أو المياه.

 

إنّ الامر الواضح وضوح الشمس هو ان هذا العهد غير قادر على إدارة الشأن العام وتأمين الخدمات العامة بانتظام، عهد لا تنجز  فيه تعيينات القضاة للمحافظة على علاقات السياسيين، وعهد لا يستطيع تأمين معاشات الاساتذة في الثانويات والجامعة اللبنانية، وعهد لا يستطيع معالجة موضوع النفايات، ولا يحقق انتظام السير ويفرض أسعاراً للبنزين تفوق لكل تنكيتين (1360000) الحد الأدنى للأجور، فكيف يتأمن التحاق الموظفين الصغار بأعمالهم؟ وكيف يستطيع موزعو فواتير الكهرباء (فلا زلنا دون عدادات الكترونية التي اصبحت إجبارية في باريس، ولندن، ونيودلهي) منذ سنوات، وكيف يؤمن من دون كلفة باهظة وبتأخير غير مقبول جوازات السفر لمن يئسوا من تحقيق أي مستقبل للبنان؟

 

لقد حان وقت تعديل مناهج الحكم وأهل الحكم، وعسى أن لا تلتهم المظاهرات البقية الباقية من المنشآت العامة، وحينها تصبح المعيشة مستحيلة على اللبنانيين، فهل هذا ما استهدفه العهد؟ لا نعلم ولا نريد أن نعتبر انه كذلك.