IMLebanon

انعطافة مقتدى الصدر

 

خيب مقتدى الصدر آمال كثيرين ممن اعتبروا أن فوزه بأكبر لائحة في الانتخابات العراقية الأخيرة يعتبر هزيمة لطهران التي عبر الصدر أكثر من مرة في الفترة الأخيرة عن رغبته في الابتعاد عنها، وفي النأي بالعراق عن الموقع الذي أرادته له. والخيبة طبعاً مصدرها إعلان تحالف بين لائحتي «سائرون» الصدرية و «الفتح» التي يتزعمها رجل طهران الأول في العراق هادي العامري، علماً أن الأخير حل ثانياً في ترتيب القوى الشيعية الفائزة في الانتخابات.

 

 

والحال أن الاعتقاد بأن طهران تعرضت لانتكاسة في الانتخابات العراقية ينطوي على خطأ مركب، فحتى لو سلمنا جدلاً بأن فوز الصدر يشكل انتكاسة لموقع طهران، فان احتساب مجموع مقاعد الكتل الانتخابية القريبة منها سيفضي إلى حقيقة أن لطهران النفوذ الأكبر في البرلمان العراقي الجديد. ناهيك عن أن استعجال المرحبين بفوز الصدر الاعتقاد بأنه خصم طهران، ينطوي على مبالغة يجهل أصحابها طبيعة العلاقة بين شيعة العراق وبين عمقهما المذهبي (إيران) والقومي (العالم العربي).

 

يشعر شيعة العراق بأنهم عرب، ويعيشون يومياً تفاوتات بين تشيعهم وبين التشيع الإيراني، وهي تفاوتات كثيرة ثقافية وحياتية ولغوية واقتصادية، لكنهم في المقابل يشعرون بتقدم العمق المذهبي على العمق القومي. وإذا كانت مرارات العلاقة مع طهران قد ولدت عندهم أحاسيس غير إيجابية حيالها، فإن مرارات العلاقة مع العمق العربي ولدت ما يفوق هذه الأحاسيس حدة.

 

أمر آخر يجب الانتباه إليه في هذا السياق، وهو أن طهران حاضرة في كل تفاصيل الحياة العامة العراقية. حاضرة في الفساد وحاضرة في الميليشيات وحاضرة في الحروب وحاضرة في أعداد الزوار الإيرانيين إلى مدن العتبات وحاضرة في تشكيل اللوائح والتحالفات وفي العلاقة مع السنة ومع الأكراد، في مقابل غيابٍ عربي مدوٍ عن كل شيء في العراق. لا أثر لحضورٍ عربي في بغداد باستثناء سفارات يقطنها ديبلوماسيون حذرون يُمضون معظم أوقاتهم داخل أسوار سفاراتهم.

 

هذه الحقيقة تضع أي محاولة للابتعاد عن طهران أشبه برحلة نحو المجهول. فمن سيستقبل من يقرر أن يبتعد عن طهران؟ وإذا ما وجد المرء من يستقبله كيف سيتم تصريف هذه العلاقة، وكيف سيستعين من يقرر الابتعاد عن طهران بعرب غائبين أصلاً عن بلده؟!

 

لم يجر بحث يساعد على فهم طبيعة العلاقة بين مقتدى الصدر وبين طهران. فالرجل «المبتعد» عن إيران في الآونة الأخيرة، سبق له أن أقام سنوات في قم، ودرس على أيدي علماء فيها، وهو ابن «الحوزة الناطقة» التي أسسها والده، وهي أقرب مدرسة فقهية عراقية إلى مدرسة ولاية الفقيه. وفي مقابل ذلك كان أكثر السياسيين العراقيين الشيعة مشاغبةً، فأطلق تصريحات غير منسجمة على الإطلاق مع الموقع الإيراني سواء في العراق أو في المنطقة.

 

اليوم أعلن الصدر تحالفاً مع هادي العامري، قائد الميليشيات العراقية التي تقاتل على كل الجبهات المذهبية، والتي أشرف قاسم سليماني على بنائها، علماً أن للصدر ميليشياته أيضاً، وهي «سرايا السلام». هذا التحالف لا يمكن فهمه في سياق الاعتقاد بأن فوز الصدر في الانتخابات يعني هزيمة طهران، فالأوراق في يد الأخيرة كثيرة، وكثيرة جداً في العراق، وهي إذ راقبت تقدم السياسي «المشاغب» في الانتخابات، لم تستعجل تصنيفه خصماً. هي تعرف أن الوقع المذهبي أقوى من خيارات السياسيين ورغباتهم في الابتعاد عنها. وتعرف أيضاً أن من يرغب في الابتعاد لن يجد ضالته في بلاد «الآخرين»، عرباً وتركاً. هذا إذا نحينا جانباً سوء التفاهم الكبير بين الصدر وبين واشنطن، وهو يفوق بأضعاف سوء تفاهمه مع طهران، ولهذه الحقيقة حسابات لم يجرها أصحاب «نظرية فوز الصدر يعني هزيمة طهران»، خلال استنتاجهم ما استنتجوه.

 

وبينما كان الصدر والعامري مجتمعين في النجف، وعلى مقربة من مرجعياتها، كان قاسم سليماني يحج إلى كربلاء ويرصد تفاصيل اللقاء، ويرسل ابتساماته المتكلفة عبر «سكايب» لفريقي المفاوضات.