أمهات في منفى الحروب  

 


لا يختلف حال أمهات لبنان كثيراً عن حال لبنان، في أحسن الأحوال كلاهما يعيشان على قلق دائم، وأيّ عيد يُظلّل أمهات العالم العربي بالسواد ويلبسهن ثوب الثّكل، بل كم أمّ في العالم العربي بات عيدها جرح غائر في صدرها؟!

 


يحقّ لنا أن نستريح من قرف السياسات في العالم، ومن حولنا أيضاً ما بين مرشّح ومنسحب، اليوم عيد الأم، وأنا «مشتاقة» لأمي فعشرين عاماً من الافتراق بين عالميْن «يخلع» القلب، وفراق «خالتي» حزّ عُنقي، ما أكثر الذين يسحق هذا اليوم مشاعرهم بثقل الغياب!

ما أكثر أيضاً أمهات لبنان والعالم العربي اللواتي يترقبن بخوف ويرقبن بقلق الأولاد يكبرون وما من متسع بعد في هذا البلد ، وكلما ولد لهن أفق مستقبل مشرق سُنَّت سكاكين كثيرة إقليمية ودولية لذبح هذا المستقبل.. قاسم مشترك واحد يجمعهن كلهن في هذا الوطن الخوف من وعلى غد أولادهن.. حتى اللواتي ينتظرن اليوم بفرح زهوة العيد وهداياه وباقات الزهر، في عيون أمهات لبنان حزن عميق يستحق أن نحترمه بصمت، لأنه في عمقه وفي صمته يقول الكثير عن لبنان ـ القدر، الذي يشبهنا ونشبهه في الوقوع والقيام..

أيّ عيد هذا يمرّ على أمهات أطفال الغوطة الشرقية المسحوقين تحت الأنقاض، على أمهات اليمن اللواتي يرقبن ذوان أطفال أبنائهن من الجوع والكوليرا، أي عيد لأمهات شهداء الجيش المصري في سيناء، وأي عيد يمرّ على أمهات ليبيا، وعلى أمهات في خيم اللجوء والنزوح مزروعات في العراء منتزعات من بيوتهن الفقيرة، مرميّات في ذلّ الفرار بأولادهن من الموت والدّمار!

مذ ولادتنا ونحن نحمل قدرنا البشري «المذهل» معنا: «أحبب من أحببت فإنك مفارقه»، ووطأة الفراق شديدة المرارة تزداد وطأتها ومرورتها كلما تراكمت السنون، فكيف إذا أتى الفراق مزدوج الوجع وجع القتل ووجع الغياب.. عيد آخر حزين يمرّ على أمهات العالم العربي، عيد فيه الكثير من الفقد والموت وسقوط الشباب والأطفال والرجال، ويقيننا أن هذا الليل الطويل سينجلي، وأن هذا الكرب سينكشف، ونسأل الله ألا تذهب دماء الشهداء ودموع أمهاتهن سدى، وأن تكون عاقبة هذا الحزن أوطاناً حرة مستقلة سيدة لا مذلة فيها ولا ديكتاتور يستعبد وعائلته الشعب!!

بالأمس استوقفني نصّ كتبته الزميلة الإعلامية سحر الخطيب، عنّا نحن، الذين يسحق مشاعرنا اليوم غياب أمهاتنا، وجدتُ فيه الكثير مما يختصر عبث هذا العيد بمشاعرنا:

«يجلس واحدُنا وحيداً… هو ويوم الأم وحيداً. نحن من استسلمنا مسبقاً لهذا اليوم، نعرف أنه منذ دبيب الشعاع الأول من شمس الله فيه سنبحث عن ركنٍ في ساعاته الجوفاء يمتصنا وحزننا ويعيد صياغتنا تفاهةً!!! نحن من نواكب المناسبة بغصةٍ نضع على رأسها وردة. بنقصٍ نشعرُ أنه يظهر على أجسادنا، كحبةِ يُتم نبتت على خدنا ولم تختفِ.. كثقب عميق في الروح، معضلته الوحيدة أننا وحدنا من نراه! وأننا فتياتٌ أمهاتٌ أو شقيقات، أزواجٌ أباءٌ أبناءٌ او طيور، سننشغل اليوم بالهجرة إلى النسيان! ثم في لحظة ما ستخون العينُ فتحطّ على صورةٍ تجمدت في إطار خشبي هي كل ما بقي من أم! وننشغل أكثر في إقفال الراديو حتى لا يعود بأغنيتها! والتلفاز حتى يكفّ عن تذكيرنا كم بات وجودنا ضئيلا خارج جناحيها. وبالهرولة أمام المحال وهي تصرخ فينا كيف لا نبتاع لها سوارا،ً عقداً، خاتماً أو وعداً بأننا سنمضي رغم الغياب بخير! وبأننا سنمشي دون يدها، الله يدري كم لخطوات بعد، ودون صوتها، الله يدري كم لصباحات بعد، ودون حنانها، الله يدري كم لعناقات الليل الفارغة بعد!!!! سنمضي بخير دون أن يرى حزننا البقية!! سنخفي اليُتم وكأنه خطأنا نحن، فعلتنا المخجلة، وسنراكم النقص بصمت كثلج ينزل على ثلج، لا يرى الناظر فيه فرقاً! كدمع ساقط على ماء، لا يعرف رائيه أيهما قد أغرق صاحبه! سنمضي بخير لأننا بعضُها الحيّ، وسنتلمس رؤوسنا وندّعي أنها تمرر اصابعها اليوم علينا.. للمرة الأخيرة !».