IMLebanon

نصر الله ومعادلات الردع… 2006 ــ 2017

 

بعد سلسلة النكبات والنكسات والهزائم العربية منذ مطلع القرن الماضي، كان من الصعب لأحدٍ أن يتنبأ بأنّ سيّداً عربياً من لبنان سيخرج على الناس عام 2000 في خطاب تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي في مدينة بنت جبيل ليقول أمامهم: «هذا النصر وضع الأمة كلها على بوابة الانتصارات الآتية ووضع إسرائيل على بوابة الهزائم الآتية».

ثم ليطلق عقب حرب تموز المدمرة من عام 2006 شعاره الشهير: «بدأ زمن الانتصارات وولى زمن الهزائم». وأمام التحولات الجديدة على مستوى الصراع في المنطقة وانعكاساتها على حقائق وموازين الصراع مع العدو الإسرائيلي استناداً إلى الدور الحيوي الذي قام به حزب الله خصوصاً منذ فترة تولي الأمين العام الحالي السيد حسن نصر الله قيادة الحزب بداية التسعينيات من القرن الماضي وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي يعتبر فيها رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ، الجنرال غادي آيزنكوت «حزب الله، التهديد المركزي الأول على إسرائيل». فإننا سنقف عند تطور خطاب الردع من خلال رصد لأبرز المواقف التي صدرت عن الأمين العام للحزب منذ عام 2006 وحتى عام 2017 والتي لم تكن تعكس البعد التكتيكي العملياتي في نطاق المواجهة المفتوحة فحسب، بل كانت مليئة بالشحنات الاستراتيجية وقدرتها على التأثير في مجريات الأحداث وسياسات ومعادلات المنطقة.

أولاً: مواقف الأمين العام في سياق كرونولوجي تاريخي

أــ شهد العام 2006 سلسلة من الخطابات يقوم المنطق الجوهري فيها على مواجهة التهديد الإسرائيلي المباشر بأنماط ومستويات متعددة من القوة النفسية والعسكرية. فعلى سبيل المثال وبعد ساعات من عملية الوعد الصادق في الثاني عشر من تموز والتي أدت إلى أسر جنديين ومقتل ثلاثة في منطقة خلة وردة بالقرب من قرية عيتا الشعب الجنوبية، عقد الأمين العام لحزب الله مؤتمراً صحفياً رفع من خلاله سقف الردع رداً على مواقف إسرائيلية كانت تحرّض على إعلان الحرب وتحميل لبنان ثمناً باهظاً قائلاً: «إذا أراد العدو الإسرائيلي.. تصعيداً.. فنحن جاهزون للمواجهة وإلى أبعد ما يمكن أن يتصور هذا العدو ومن يقف خلفه». وبعد يومين فقط على العملية كان الجيش الإسرائيلي قد وسّع عملياته الجوية وأغارت طائراته على أهداف مدنية في مختلف المناطق اللبنانية وصولاً إلى قلب الضاحية الجنوبية لبيروت فجاء رد الأمين العام للحزب برسالة صوتية بُثت عبر قناة المنار قال فيها: «لن أقول اليوم اذا ضربتم بيروت سنضرب حيفا، لن أقول لكم إذا ضربتم الضاحية سنضرب حيفا، هذه المعادلة أردتم أن تسقط فلتسقط. أنتم أردتم حرباً مفتوحة، نحن ذاهبون إلى الحرب المفتوحة ومستعدون لها، حرباً على كل صعيد، إلى حيفا وصدقوني إلى ما بعد حيفا وإلى ما بعد ما بعد حيفا». وفي نهاية الرسالة كشف الأمين العام عن تدمير البارجة الحربية (ساعر) عبر صاروخ أرض – بحر ما أدى إلى خروج سلاح البحرية من المعادلة. وعلى خلفية قرار الحكومة الإسرائيلية توسيع العمليات البرية بعد فشل الطيران الحربي من حسم المعركة بعد سبعة وعشرين يوماً على بدء الحرب، رد السيد نصر الله قائلاً: «لن تستطيعوا البقاء في أرضنا لو دخلتم أرض جنوبنا الغالي سنحولها إلى مقبرة للغزاة الصهاينة… حتى الآن لقد رأيتم بعض بأسنا أهلاً وسهلاً بكم في العملية البرية الواسعة التي سترون فيها كل بأسنا».

تفاهُما تموز 1993 ونيسان 1996 شكّلا بداية موفّقة لتثبيت معادلة ردعيّة

ب ــ في عام 2007 توالت التهديدات الإسرائيلية من قبل قادة الكيان وارتفع مستوى الخطاب التصعيدي بذريعة تسلّح حزب الله وإعادة بناء ترسانته الصاروخية. وكانت إسرائيل قد شنت في هذا العام غارة جوية ناجحة على ما تزعم أنه مفاعل نووي سوري ودمرته بالكامل ما حفزها على رفع سقف التحدي مع حزب الله حتى كادت التهويلات توحي بأنّ حرباً على الأبواب قادمة ما اضطر السيد نصر الله إلى الرد في احتفال بمناسبة يوم الشهيد موجهاً كلامه للقيادة الإسرائيلية قائلاً: «إنّ المقاومة في لبنان جاهزة.. ليس فقط للدفاع وإنما هي متوثبة لتصنع الانتصار التاريخي الذي يغير وجه المنطقة».

ج ــ أما عام 2008 فقد حمل حدثاً استثنائياً في تاريخ الصراع بين المقاومة وإسرائيل. إذ نجحت إسرائيل بمعونة أجهزة استخبارات عربية ودولية في اغتيال القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية في حي من أحياء دمشق. اعتبر نصر الله في خطابه الذي ألقاه أمام الحشود المشيّعة عملية الاغتيال بدء مرحلة سقوط دولة إسرائيل. وعمد إلى رفع سقف التحدي بقوله: «إذا كان دم الشيخ راغب أخرجهم من أغلب الأرض اللبنانية وإذا كان دم السيد عباس أخرجهم من الشريط الحدودي المحتل باستثناء مزارع شبعا فإنّ دم عماد مغنية سيخرجهم من الوجود». الأبرز في الخطاب كان البعد البشري العددي في معادلة الردع. ولأول مرة يكشف السيد نصر الله عن آلاف المقاتلين الذين أعدّهم عماد مغنية. فيقول: «في الماضي تحدثت عن الصواريخ.. اليوم بعد أن قتلوا الحاج عماد فليسمعوني جيداً: في أي حرب مقبلة لن ينتظركم عماد مغنية واحد ولا عدة آلاف من المقاتلين، لقد ترك لكم عماد مغنية خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين المجهزين الحاضرين للشهادة».

د ــ في عام 2009 بدأ قادة الكيان يتحدثون عن أسلحة «كاسرة للتوازن» تعبر إلى حزب الله عن طريق سوريا، ومهددين بحرب مدمرة شديدة. رد الأمين العام في خطاب ألقاه بذكرى يوم الشهيد فقال: «المرة المقبلة، ليس حيفا وما بعد حيفا، يمكن أن تبدأ القصة (المعركة) مما بعد ما بعد حيفا… وأقول لباراك واشكنازي ونتنياهو وأوباما وكل الدنيا، أرسلوا ما شئتم من فرق خمسة وسبعة وإن شئتم أرسلوا كل الجيش الاسرائيلي فسندمره ونحطمه في تلالنا وودياننا وجبالنا، هذا هو التحول الكبير الذي أتحدث عنه في المنطقة لو حصلت حرب من هذا النوع».

ه ــ في عام 2010 حصلت مجموعة من التطورات الميدانية أبرزها قصف القوات الإسرائيلية لموقع للجيش اللبناني على مشارف بلدة العديسة الجنوبية أدى إلى سقوط ثلاثة شهداء من عناصر الجيش. رد أفراد الموقع على النيران الإسرائيلية ما اعتبره مراقبون ثمرة الالتحام والتعاون بين المقاومة والجيش. لكن الأمين العام لم يترك الحادثة تمرّ دون إفهام العدو الإسرائيلي الرسالة التالية: «أنا أقول لكم بصراحة: في أي مكان سيعتدى فيه على الجيش من قبل العدو الصهيوني ويكون فيه تواجد للمقاومة أو يد المقاومة تصل إليه فإن المقاومة لن تقف ساكتة ولا صامتة ولا منضبطة، اليد الإسرائيلية التي ستمتد إلى الجيش اللبناني ستقطعها المقاومة». وكان السيد نصر الله وقبل أشهر من هذه الحادثة قد وسّع من معادلة الصواريخ المعروفة منذ حرب تموز 2006 وأراد إرساء معادلة ردع أكثر تأثيراً لإحداث نتيجة سياسية لها علاقة بإدامة الاستقرار في لبنان وإفشال أي خطة إسرائيلية محتملة للحرب. قائلاً: «أنا اليوم أقول للإسرائيليين ليس إذا ضربتم الضاحية سنضرب تل أبيب، إذا ضربتم مطار الشهيد رفيق الحريري الدولي في بيروت سنضرب مطار بن غوريون في تل أبيب، إذا ضربتم موانئنا سنقصف موانئكم، وإذا ضربتم مصافي النفط عندنا سنقصف مصافي النفط عندكم، وإذا قصفتم مصانعنا سنقصف مصانعكم، وإذا قصفتم محطات الكهرباء عندنا سنقصف الكهرباء عندكم».

أما اللغز الذي أراد نصر الله أن يثير ذعر وقلق الصهاينة، فهو وضعه سلاح الجو الذي لم يثبت أو ينفي امتلاك المقاومة له في إطار «سياسة الغموض البناء».

و ــ في عام 2011 وعلى خلفية التطورات التي بدأت تشهدها المنطقة من تونس إلى مصر والتي شعرت من خلالها إسرائيل أنها يمكن أن تشكّل غطاء لعدوان جديد. فقد قام رئيس الأركان (بني غانتس) برفقة وزير الدفاع ايهود باراك بجولة على الحدود مع لبنان أدلى بعدها باراك بتصريح يطلب فيه من جنوده الاستعداد للدخول مجدداً إلى لبنان. فجاء رد الأمين العام من خارج التوقعات والتقديرات الإسرائيلية، وقفزة نوعية واستراتيجية في تاريخ الصراع حين قال: «إنني في ذكرى السيد عباس والشيخ راغب والحاج عماد أقول لمجاهدي المقاومة الإسلامية: كونوا مستعدين ليومٍ إذا فُرضت فيه الحرب على لبنان قد تطلب منكم قيادة المقاومة السيطرة على الجليل».

ز ــ في عام 2012 وفي غمرة الأحداث الخطيرة في سوريا والتي كانت تستهدف تغيير المعادلات لصالح الكيان الإسرائيلي، ورسم خرائط جديدة على مستوى جغرافيا المنطقة، وضرب المقاومة في لبنان عبر الجماعات التكفيرية، وفي ظل مراهنة العدو على ضعف المقاومة، أرسل حزب الله طائرة من دون طيار (طائرة أيوب) إلى داخل الأراضي المحتلة في خرق أمني حمل أبعاداً استراتيجية واضحة، وانقلاباً في معادلات الردع بحسب المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل الذي رأى: «أنّ اختراق الطائرة الإيرانية الصنع، يوفر تذكاراً عن ميزان الردع المعقد، القائم بين الجانبين. كون حزب الله هو العدو الأذكى في المنطقة، الذي تواجهه إسرائيل».

وفي ذكرى يوم القدس وجه الأمين العام رسالة شديدة اللهجة إلى قادة الكيان الإسرائيلي معتبراً «أن الحرب مع لبنان مكلفة جداً..» وأنّ ضرب هدف واحد من الأهداف التي تمتلكها المقاومة سيحول «حياة مئات الآلاف من الصهاينة إلى جحيم حقيقي».

ح ــ في عام 2013 ومع انشغال حزب الله في الحرب الدائرة في سوريا ارتفعت لهجة التحدي الإسرائيلي لكن الأمين العام عاد وأكدّ على جهوزية المقاومة وعلى المعادلات القائمة وصنع المعادلات الجديدة. وفي احتفال بذكرى شهداء المقاومة قال: «ربما البعض يعتبر أنّ سوريا الآن في صراع دامٍ، وبالتالي أصبحت سوريا خارج معادلة أي معركة يمكن أن تحصل مع العدو الإسرائيلي… إذاً هذه هي اللحظة التي يمكن أن تستغل للاستفراد بالمقاومة. أبداً… المقاومة في لبنان في كامل عدتها وعديدها.. بكل هدوء، سوف نقلب الآية». وفي هذا العام بالذات شكلّت معركة القصير على الحدود اللبنانية السورية التي خاضها حزب الله بنجاح ضد المجموعات الإرهابية التي كانت تتلقى الدعم والمساندة من جهات على صلة بالعدو الإسرائيلي أقوى رد استراتيجي خصوصاً لجهة الأساليب القتالية الجديدة والنتائج العسكرية.

ط ــ في عام 2014 واصلت أجهزة الدعاية الإسرائيلية حربها النفسية على المقاومة وبدأت تتحدث عن قلقها من تعاظم قدرة حزب الله وانخراطه في أكثر من ميدان تدور فيه الصراعات في المنطقة. وأمام حملة التصعيد الكلامية جاء ردّ الأمين العام مخاطباً قادة العدو قائلاً: «عليكم أن تغلقوا مطاراتكم وعليكم أن تغلقوا موانئكم، ولن تجدوا مكاناً على امتداد فلسطين المحتلة لا تصل إليها صواريخ المقاومة.. كل ما يخطر في بالكم يجب أن تحسبوا له حساباً».

نصرالله هو مصدر المنطق المحرّك للردع في كل أساليبه ودرجاته

ي ــ اعام 2015 حمل معه تطوراً ميدانياً خطيراً بعد استهداف المروحيات الإسرائيلية في 18 يناير سبعة مقاومين كانوا في جولة تفقدية في منطقة القنيطرة السورية. وضعت إسرائيل جيشها في حالة استنفار كامل، وقامت بإجراءات احترازية واستقدمت تعزيزات إلى منطقة الشمال والجولان. جاء الرد بعد عشرة أيام فقط من الغارة الإسرائيلية بعملية للمقاومة على دورية عسكرية في مزارع شبعا قُتل خلالها ما يزيد عن خمسة جنود إسرائيليين. بعدها ألقى الأمين العام لحزب الله خطاباً ردعيّاً عالي المستوى. فقال: «لا يمكنكم أن تقتلوا الناس وتناموا في بيوتكم آمنين مطمئنين.. نحن ذهبنا إلى العملية وقد بنينا على أسوأ الاحتمالات، وجهزنا أنفسنا لأسوأ الاحتمالات، وأن هذا الذي يطلق النار الآن هو مستعد أن يذهب إلى أبعد ما يتصوره أحد في هذا العالم، هذا كان له علاقة بالردع… يجب أن يفهم الإسرائيلي جيداً، أنّ هذه المقاومة ليست مردوعة.. وأتمنى هنا الاصغاء وأن يدقق (العدو) جيداً…، نحن في المقاومة لم يعد تعنينا أي شيء اسمه قواعد اشتباك. نحن لا نعترف بقواعد اشتباك. انتهت… ولم نعد نعترف بتفكيك الساحات والميادين». وعلى إثر هذا الخطاب ظهر مصطلح تشبيك الجبهات بين الدول والحركات المنضوية في محور المقاومة لمواجهة احتمالات ورهانات أي حرب قادمة.

ك ـ في عام 2016 كانت التحولات الميدانية في سوريا لصالح محور المقاومة حيث لعب حزب الله دوراً بارزاً في تحرير مساحات شاسعة من الأراضي السورية التي كانت تسيطر عليها الجماعات الإرهابية المختلفة خصوصاً في منطقة القلمون المحاذية للحدود مع لبنان. وأحبّ حزب الله هذه المرة أن يبعث برسالة ردعية حيّة من داخل الأراضي السورية ومن منطقة القصير تحديداً حيث أقام عرضاً عسكرياً ضخماً ظهرت فيه أنواع مختلفة من الأسلحة الثقيلة. الرسالة كانت تحوّلاً استراتيجياً إضافياً جعلت قادة الكيان يتحدثون بقلق متزايد عن قدرات حزب الله البشرية والمادية، وعن تطور إمكاناته وتجربته على ضوء الحرب السورية وعن اكتسابه تجربة هجومية. وأمام التطورات المتسارعة وضعوا عنواناً للحرب المحتملة اسموها حرب لبنان الثالثة. لكن الأمين العام لم يكتفِ بالعمل الاستعراضي في هذا العام بل أكدّ في خطاب ألقاه بذكرى قادة المقاومة على قدرة المقاومة على ضرب حاويات الأمونيا في حيفا التي يمكن أن توازي بمفعولها حال استهدافها ببعض الصواريخ قنبلة نووية.

ل ـ في عام 2017 صعدّ الأمين العام من مستوى الردع وطالب الكيان الإسرائيلي «ليس إلى إخلاء خزان الأمونيا فقط بل إلى تفكيك مفاعل ديمونا النووي». بيد أنّ الموقف الأكثر تقدماً ليس في هذا العام فقط، بل في تاريخ الصراع حين كشف السيد نصر الله «أنّ على العدو الإسرائيلي أن يعرف أنّه إذا شن حرباً على سوريا أو على لبنان فليس من المعلوم أن يبقى القتال لبنانياً إسرائيلياً أو سورياً إسرائيلياً… بل قد تفتح الأجواء لعشرات الآلاف بل مئات الآلاف من المجاهدين والمقاتلين من كل أنحاء العالم العربي والإسلامي ليكونوا شركاء في هذه المعركة».

ثانياً: التطور في مستويات الردع ونتائجه

منذ بدايات العمل المقاوم، والمقاومة تحاول الوصول إلى مستويات متعادلة في الردع. تفاهم تموز 1993 ونيسان 1996 شكّلا بداية موفّقة لتثبيت معادلة ردعية تحمي المدنيين بدرجة أساسية. ومع انتهاء حرب عام 2006 كانت قد ترسخت منظومة ردعية لدى المقاومة تسببت بهدم كل المعتقدات الموروثة الإسرائيلية العسكرية والسياسية والنفسية حول منطلقات الردع وأساليبه. إذ لم تعد الآلة العسكرية كرمز للقوة وحدها من يحسم الصراع، صار الأمر يستلزم وضع افتراضات وتصورات وإدراكات جديدة على المستوى التكتيكي والاستراتيجي. أي أنّ المسألة باتت ترتبط بالرؤية والنموذج أكثر من ارتباطها بالتشكيلات العسكرية والنطاق العملياتي. وهنا لا بد من فهم كيف استطاع حزب الله تطوير نظريته للردع وتنظيم قوى وموارد لوجستية بقوات قليلة خفيفة وأسلحة محدودة، شكّلت حلولاً نموذجية لكسر إرادة العدو وإفشال أهدافه؟ وكيف تمكّن من ردع التهديد الإسرائيلي والرد عليه خلال كل الحروب اللامتناظرة واللامتماثلة التي خيضت بينه وبين القوات الإسرائيلية حتى من دون استخدام القوة بل بالاكتفاء بنشرها فقط أو العزم على استخدامها أو التلميح باستخدامها. بعد حرب عام 2006 ظهرت إسرائيل مردوعة إلى حد كبير، وعلى الرغم من امتلاكها ترسانة عسكرية ضخمة ومخيفة لكن لم يكن لاستخدام هذه الأسلحة أثر في حسم الصراع، ولا حتى إلى نتيجة تتناسب والقدرات المفترضة لهذه القوة، بل ظلت المشكلة الاستراتيجية الجوهرية مع حزب الله قائمة حين استمر يعمل بطريقة مرنة لإفساد كل استخدام لقوة العدو وجعلها بلا فائدة استراتيجية وسياسية.

ثالثاً: القائد الذي يتقن فن استخدام القوة

خلال السنوات الماضية التي خاض فيها حزب الله معارك ضارية مع القوات الإسرائيلية أظهر الأمين العام للحزب براعة وحرفية عالية في مراوغة العدو ومنازلته، والصعود بمقاومته إلى قوة رادعة ومصدر تهديد استراتيجي للكيان الإسرائيلي. وفي السطور القادمة أبرز ما يمكن ملاحظته من مساهمات الأمين العام في بناء قوة الردع التي غدت رهاناً لحماية لبنان:

  1. فهمه العميق لطبيعة القوة وجدواها وكيفية استخدامها بكفاءة على نحو متدرج، وضمن سياق وظروف تحقق الأهداف والغايات المرجوة منها.
  2. نجاحه في إبراز القوة وإخراجها إلى حيز الوجود وإرادة نشرها واستعمالها عند اللزوم.
  3. نجاحه في لجم العدو عن استخدام القوة والنيل من استراتيجيته، وبراعته في قذف رسائل الرعب لإبطال وإفساد خطط العدو، والتأثير على معنوياته وتغيير نواياه من دون الاضطرار إلى المواجهة المباشرة.
  4. نجاحه في اختيار الأهداف ومسرح العمليات وتوقيت الضربات وطريقة ومنهج تطبيق القوة وتوظيف النتيجة على المستويين السياسي والاستراتيجي.
  5. قدرته على تحسس تهديدات العدو وتفسير نواياه وتحليل سلوكه في إطار هيكل نظري دقيق ومترابط.
  6. فهمه للسياق السياسي والاستراتيجي الذي تدور فيه المعارك والحروب، وإيجاده التوازن بين العناصر السياسية المحلية والأهداف العسكرية ذات البعد التكتيكي والغايات الاستراتيجية.
  7. السيد نصر الله، هو مصدر المنطق المحرك للردع في كل أساليبه ودرجاته، وهو التجسيد الشخصي الحي للقوة المصمم على كسب صراع الإرادات. فشخصيته وحضوره وبأسه ومعنوياته وفهمه للقوة وجدواها وحسن استخدامها لها وإجراءاته في ربط القوى والإمكانات في إطار الهدف الاستراتيجي السياسي الأوسع، كلها من المكونات الأساسية الدالة على الإرادة المطلقة لردع العدو والفوز عليه.

خاتمة: ما زالت المواجهة بين حزب الله والعدو الإسرائيلي متواصلة وممتدة بأشكال متنوعة. وكلاهما وصلا إلى علاقة صراعية تقوم على مفهوم التدمير المتبادل في حال نشبت حرب شاملة. وفي السنوات الأخيرة خصوصاً مع دخول حزب الله الحرب في سورية كان كل طرف يتخذ مواضع لإظهار القوة تبرز المستوى الذي وصل إليه من التحفز والتأهب للحظة يتم فيها اختبار جديد للقوة سيفوز به مَن يُحسن استخدامه بفعالية وذكاء. السؤال اليوم ليس ما إذا كانت إسرائيل قادرة على انتاج واستدانة القوة، وإنمّا في التحولات النفسية والجيوستراتيجية التي ظهرت تحديداً بعد الأزمة السورية والتي كان للسيد نصر الله دور رئيسي فيها والتي جعلت فكرة سقوط النجمة الصهيونية من عليائها تقترب أكثر!

* أستاذ جامعي