IMLebanon

هل يمكن التوفيق بين الدولة الوطنية وحقوق الطوائف في لبنان؟

 

 

 

تُعدّ مسألة التوفيق بين الدولة الوطنية وحقوق الطوائف من أكثر الإشكاليّات تعقيدًا في التجربة اللبنانية. فمنذ إعلان لبنان الكبير عام 1920، نشأت دولة لا تقوم على نموذج الدولة – الأمة المتجانسة، بل على عقد سياسي بين جماعات تاريخيّة متعدّدة اختارت الشراكة داخل كيان واحد. وعلى مدى أكثر من مئة عام، أثبتت هذه التجربة أن لبنان ليس حالة عابرة، بل نموذجًا سياسيًا فريدًا. نجح في محطات وأخفق في أخرى، لكنه بقي قائمًا رغم العواصف الكبرى.

 

تُظهر القراءة المتأنية للتجربة اللبنانية أن الإخفاقات الكبرى التي هزت أركان الدولة كانت، في معظمها، نتيجة عواصف خارجية متلاحقة، بدءًا بعام 1958، وجدت في الداخل اللبناني بيئات جاهزة للتقاطع معها تحت عناوين أيديولوجية وسياسية متبدّلة. فمرّة باسم القوميّة العربية، ومرّة باسم الإسلام السياسيّ العابر للحدود، ومرّة باسم قضايا أمميّة، ومرّة باسم اليسار العالميّ، جرى تعطيل منطق الدولة الوطنية، وإضعاف مؤسّساتها، وتحويل الطائفية من نظام شراكة إلى أداة صراع.

 

ولا يمكن الرهان على أن هذه العواصف قد انتفت نهائيًا. صحيح أن الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، تراجع بوصفه مشروعًا سياسيًا عابرًا للحدود، ولم يعد يمتلك قدرة واقعية على تعطيل الدولة اللبنانية، ولا سيّما في ظلّ المرجعيّة السعودية الحريصة على حدود الدول وخصوصيّاتها، وتراجع الدور الإيراني الإقليمي. كما أن المشاريع القومية سقطت بدورها، وتكرّست الدول الوطنية كحقيقة ثابتة. غير أن هذا التحوّل لا يعني أن لبنان بات محصّنًا تلقائيًا من الارتدادات الإقليمية أو من صراعات النفوذ المستقبلية.

 

من هنا، تبرز ضرورة الاستفادة من قرن كامل من التجربة، لا لإعادة إنتاج الشعارات نفسها، بل لتثبيت ركائز حكم قادرة على الصّمود في وجه العواصف متى هبّت. وفي هذا السياق، يصبح من الضروريّ الإقرار بأن ما ورد في الدستور لجهة إلغاء الطائفية، أو إلغاء الطائفية السياسية، لم يتحقق خلال مئة عام. وما لم يتحقق في قرن كامل، لا يمكن افتراض تحققه في سنوات أو عقود قليلة بإرادة سياسيّة مجرّدة. إن الإصرار على طرح الإلغاء كمدخل للحلّ لا يؤدّي إلّا إلى تعميق الهواجس وتعطيل الدولة، ولا سيّما أن هذه التجربة أُعطيت حقها وبلغت مداها.

 

ولبنان لا يمكن أن يتحوّل إلى دولة – أمة على النموذج الأوروبي، الذي نشأ في سياق تجانس لغوي وثقافي وتاريخي، وهو شرط غير متوافر في الحالة اللبنانية، ولا يمكن فرضه بالقوّة. فلبنان لن يصبح أمة متجانسة، ولن يتخلّى عن تعدّده. بل إن قيمته الفعلية تكمن في هذا التعدّد نفسه. فهو البلد الوحيد في العالم الذي تتقاسم فيه المسيحية والإسلام السلطة ضمن عقد سياسي واحد، وهذه ليست نقطة ضعف، بل ميزة نوعية يجب الحفاظ عليها.

 

غير أن الحفاظ على الطائفية التقاسمية لا يعني تكريس الفوضى أو إضعاف الدولة، بل على العكس تمامًا. فالدولة الوطنية في لبنان يجب أن تبقى دولة مدنية قوية، تحتكر وحدها السلاح، وتضبط الحدود، وتدير العلاقات الخارجية، وتمسك بالقرارين المالي والنقدي، وتفرض فعليًا، لا شكليًا، قواعد الكفاءة والجدارة في التعيينات. وحدها دولة كهذه قادرة على منع أيّ طائفة، في ظرف معيّن، من امتلاك فائض قوّة يسمح لها بالانقلاب على التوازنات الداخلية أو باستدعاء الخارج لفرض وقائع جديدة، كما حصل على امتداد أكثر من نصف قرن.

 

وعليه، المطلوب طائفية تقاسميّة منظمة، تعكس حقيقة البيئات الاجتماعية والثقافية، ضمن إطار دولة سيادية واحدة، مع الإقلاع نهائيًا عن نظريات الإلغاء والتوحيد والصهر. وبالتالي، يُفترض أولًا إلغاء النصّ الدستوري المتعلّق بإلغاء الطائفية، وتكريس هذه الطائفية بوصفها خيارًا ينبغي الاعتداد به لا الخجل منه. ويُفترض ثانيًا أن يكون هذا التكريس تمثيليًا وجغرافيًا، حفاظًا على خصوصيات البلد وتنوّعه. كما يُفترض ثالثًا الانتقال من نموذج الدولة التي تتعطّل عند الأزمات، إلى نموذج يمنع الأزمات من شلّ عمل الدولة، وذلك عبر تضمين الدستور نصًّا واضحًا يفرض على الدولة استخدام القوّة الشرعية لمنع أي محاولة لإخراج لبنان من حياده أو انتهاك سيادته.

 

إن التوفيق بين الدولة الوطنية وحقوق الطوائف في لبنان لا يتحقق بإلغاء أحدهما لمصلحة الآخر، بل ببناء معادلة واضحة: دولة مركزية، مدنية وسيادية، تحتكر وحدها القوّة، وتعترف بتعدّدها وتنظمه، وتمنع في الوقت نفسه أي جماعة من احتكار العنف أو مصادرة القرار الوطني. وفي المقابل، جماعات تتمتع بتمثيل فعليّ لا يتأثر بتبدّلات ديموغرافية أو موازين قوى متحرّكة، وقادرة على الحفاظ على خصوصيّاتها الجغرافية تحت سقف الدولة الوطنية. هذه هي هندسة الاستقرار الممكن، وهي الصيغة الوحيدة القادرة على حماية لبنان، لا كدولة عادية، بل كنموذج استثنائيّ في عالم مضطرب.